حفنة مسودات ومزق كتب جمعتها في صفيحة وأضرمت فيها النار، في الفسحة الخلفية من مسكني، مثّلت لي حريقاً حاكى لهبه حرائق مئات المكتبات والوثائق في مدن العراق القديمة والحديثة. انطوت القصاصات وتحمصت وتسوّدت ثم تقصفت وتفتتت رماداً. إلى الرماد عادت نُطف الأفكار المولودة بعناء، إلى عدم ما قبل الحبر الذي جاءت منه.
وما ساعد النار على التهابها هبوب ريح انتزعت رقيقات سوداً نثرتها بعيداً عن فوهة الصفيحة. ريح أيقظت الحواس حولي من خمولها فتذكرت حرائق الأمس واقتربت كي تتجسس على حريقي. ساعدتُ النار في عملها فأمسكت قضيباً حديدياً قلبت به القصاصات نصف المحروقة إلى الأعلى، ودفعت برمادها إلى قاع الصفيحة، مثل ساجرة تنور تلقم الفوهة الجائعة بأناة حتى يستتب الجمر فتخبز خبزها.
تنوري وصبري على ناري التي أخذت تهفت وقد أكلت خبز مسوداتي، تجربة حريقي في اليوم الأول.
كررت تجربة الحريق في اليوم الثاني، وكومت صفحات من الكتب والصحف التي فات أوان قراءتها وسلمتها للنار. قلبت أصابعُ اللهب الصفحات الرقيقة المستسلمة، وأعدمت قراءةُ النار أعناقاً ضاحكة وكئيبة ومتفاخرة ثم دفنتها في قعر الصفيحة الأسود.
قضم اللهب رؤوس السطور وذيول العبارات، وتوارت كلمات مثل (إلى أين) و(هم وحدهم) و (أساطير) و (...رحيم) بلا رحمة في رماد القاع. رقصت ألسنة اللهب رقصة سالومي الخليعة في أحداقٍ كلَّ بصرها وانطفأ بريقها وقُطعت أجياد معرفتها. النار العارفة التهمت معرفة كل شيء مخزون بشررها. الكلمات تاقت إلى النار فاندفعت إلى أتونها.
في اليوم الثالث، التحم دخان صفيحتي بدخان صفائح منتشرة حول المحيط الأوسع، افترضتُ أنها تنفذ الوصايا المحررة بإعدام صفحات طال انتظارها في خزانات الظل والرطوبة. محارق متسلسلة تتوالى في الأفق المنحدر من عاصمة الحكمة والفقه إلى جنوب المدارس النحوية وحلقات الكلام. صفحات منسوخة بمداد من نور، أشعار ونوادر ورحلات تذهب إلى جوف الأبد المتفحم.
سير ذاتية ويوميات الأعمار الذهبية، دفاتر السهر والحمى والمطاردة والتسكع والغثيان والجوع، يلقمها عشماوي النار الأشداق المفتوحة أبد الحارقين. ملوك المغول وخازنو الكتب المتعصبون يتجسدون في حريقي الصغير ويأمرون جنود النار بالانطلاق والتهام المكتبات.
أذكت صفيحتي محارق انتصبت في كل مكان لإعدام أهرام النصوص وزقورات الوثائق، وانتشرت في الهواء روائح الحرائق، وطارد جلادو النار في الشوارع الخالية كل صفحة هاربة من مخزون الكتب العظيمة. قُضي تماماً على الصحائف المنضدة في ظرف أيام معدودة، بينما استمر رقص السالوميات الخليعات في أحداق الخزنة الهاربين من اللهب. تصاعد الدخان من المحارق الكبرى واتصل بدخان صفيحتي، ودُفن الوجود المكتبي الأكبر في رماد الصمت والخذلان.
شاعت رائحة الأوراق المحترقة في محيط المسكن، ولم تنقطع سحب الدخان من التصاعد حتى بعد أن دلقت الماء على رماد الصفيحة. همتُ على وجهي في اليوم الرابع، أفتش في صفحات الوجوه عن أمارات الأنس والطمأنينة وخفوت السعير. ألقيت التحية على من صادفني في الطريق، وبادرت رجلاً يلوذ بالجدران بالسؤال عن وجهةٍ لا تتقد فيها النيران، فعجب من سؤالي وحسبني من المهابيل الذين يشيعون ألغاز الحرائق.
شهرت في وجه امرأة علبة ثقاب أختبرها إن كانت من مضرمات السواعير أم هي من مؤنسات الضيف حول مواقد الشتاء، فلفحتني عيناها المستعرتان وقذف فوها اللهب. صادفت في طريقي جموعاً تتخفى برقومها ورسومها، وتتحدب ظهورها بثقل أوزارها، وتهسهس النار تحت أقدامها.
حاولتُ أن أفرز في خبيئتي من كان قادح شرارة صغيرة عن مضرم الحريق الكبير، ومن يهرب من محرقة ماضيه التي لم تهفت في حدقتيه. كلهم يثقله جرمه وتسحقه سعيره وتضطرم أحشاؤه بما اقترفت يداه وما رأت عيناه.
خليط من أصحاب النار قابلني في اليوم الخامس وما تلاه، نشأوا بين خمائل الأوراق، وفي ظلال المكتبات، يستروحون منها نسائم المعرفة ويغتسلون برحيقها من أوضار الحمق والغرور والتعصب، فإذا هم ينقلبون على زمان تأليفهم وقراءتهم، ويتنكرون لفضل خزائنهم وأقلامهم، وينضوون في خدمة أصحاب الحجر والتطهير والتحريم، ويتقدمون غوغاء الطرق وكتائب التدمير والتحريق.
انبعثوا قائمين من حريقي الصغير، يتقدمهم مفتشو الدواوين وقساوسة الأديرة ودراويش التكايا وناسخو الكتب ومنجمو نهاية العالم. تكاثروا حتى ضاق بهم محفلي، تجمعوا حولي وصلبوني على أعمدة الدخان المتصاعدة من جوف الصفيحة. ناديت ابن حزم القادم من اشبيلية مع ثلة من قضاتها وأدبائها كي يفكوا وثاقي، فأمعنوا في احتقاري وغرفوا من رمادي وذروه في وجهي. ويلي من فعلتي، ويا حسرتي على كتبي وأوراقي التي أطعمتها النار بيدي!