يعرف بعض الفلاسفة (الزعل) بأنه نوع من القسوة المبطنة وأحد أشكال الضغط النفسي الذي يمارسه الإنسان على غيره. وهناك درجات من الزعل تبدأ بالعتاب الصغير واللوم وتنتهي في أقصاها إلى الخصام والهجران الأبدي.

وهناك من يرى الزعل بأنه مرض يكشف عن ضعف من يمارسه ويفضح عدم قدرته على رحمة الآخرين وغفران زلاتهم. ذلك لأن أصحاب القلوب الرحيمة والكبيرة لديهم الشجاعة الكافية على تفضيل قيمة التسامح على قيمة العقاب، وكل زعل هو في احد أشكاله عقاب قاس جدا خصوصا اذا طال أمده، والملفت انه أيضا عقاب ذو حدين حيث يتعمق مثل الجرح في نفس من يمارسه كما في نفس من يمارس عليه.

في حياتنا المركبة والمعقدة نصادف الآلاف ممن يمارسون علينا هذه القسوة، بعضهم بسبب، وكثيرهم بلا سبب.الأصدقاء الذين كانوا يملأون حياتك نورا وبهجة، تجدهم فجأة وقد تبرمت شفاههم وانسلوا من حياتك بلا استئذان ربما بسبب كلمة عابرة أو فهم خاطئ لسلوك ما، لكنك تستطيع ببساطة ان تتجاوز زعلهم وعتابهم المر والخفي بالمبادرة بالسؤال عنهم وتكراره وبإبقاء شمعة المحبة لهم مشتعلة مهما طال بعدهم عنك.

تحاول الثقافات الروحانية ان تعلي من قيمة المسامحة باعتبارها تطهيرا مستمرا للقلب، وهناك فلاسفة وعشاق عظماء للحياة يمارسون رياضة التسامح يوميا بتوجيه المحبة إلى الجميع، إلى من يسيئون لنا أولا ومن يحسنون لنا ثانيا لكي لا تعشعش في القلب الا جذوة النور والرحمة، هكذا يمكن ان نكنس من العالم طاقة الكراهية ونجعل الهواء نقيا للإبداع والألق والجمال.

ما هي القيمة التي تجنيها اذا أدرت ظهرك لأخ أو صديق حياة لمجرد انه زل أو اختلف معك في الفكرة. ان الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الرائعة والحرة ينبغي ان يتجاوز هذا الفهم الضيق لمعنى الصديق أو الآخر، وماذا تظن اذا وقفت يوما وأدركت انك تزعل أحيانا من نفسك وتعاقبها بالعتاب واللوم وتسجنها في غرفة التأنيب؟

خرج احمد يوما من بيته الضيق ومشى إلى البحر وفتح ذراعيه لاحتضان أول موجة تصل إلى الشاطئ، لكن الموجة صدته بعنف ورمت به على الرمل فزعل منها، ثم فتح عينيه الواسعتين امام الشمس فاحترقت نظراته البعيدة فصار يكره النور. وحين قرر ان يعود إلى مخبئه البيتي هبت الريح الصيفية من ورائه ولفحته على الرقبة، ثم مر طائر النورس ورشقه على القميص والكتف. في المساء قرر احمد ان يسامح الحياة، وادرك ان الأشياء والكائنات كانت تداعبه كل بأسلوبه وطبعه وتكوينه..كان يسأل: هل كانت الموجة ضدي أم أنا ضدها؟

كل فم ممدود في الزعل يخنق الحياة..

akhozam@yahoo.com