أرجع الفنان التشكيلي والصحافي ناصر عراق التراجع الفظيع للرسم الصحافي في المطبوعات المعاصرة ومأزق الخطاطين والرسامين إلى أن معظم السلطات العربية تخاصم حرية الفكر وحرية الإبداع، وإلى شيوع الأفكار المتشددة التي تحرم الفنون بما فيها الرسم، إضافة إلى عدم مواكبة بعض الفنانين للتطورات التقنية ومستجدات العصر، ومحدودية تجارب وموهبة وخيال البعض الآخر..

جاء ذلك لدى استضافة النادي الثقافي العربي له مساء أمس الأول عبر ندوة حول المعادل البصري في المطبوعة المعاصرة، قدم لها الدكتور عمر عبد العزيز موضحاً أن مجرد ذكر كلمة « رسم » نصبح مباشرة في فضاءات متعددة عن ماهية الرسم ومفهومه بوصفه تخطيطاً بالأسود والأبيض وبالأشكال الكاريكاتيرية، أو بوصفه يقدم توضيحات وإضفاءات، أو بوصفه عملاً فنياً تصويرياً بالألوان المختلفة.. وأيضاً الرسم كأفق للتماهي مع الكتابة.

ومشيراً إلى عوالم الوسائط المتعددة التي أصبحت تقدم حلولاً مبدعة وتقنية ساحرة ومدهشة، وغرائبية أحياناً، ولكنها في المقابل تفتح فجوات كبيرة في الإبداع الذاتي للأفراد، ولهذا السبب يصبح هذا المعادل البصري الجديد، المعطى عبر التقنيات العصرية في أفق ما مجاور للمفهوم المرتبط بالثقافة الفردية للفنان،

ولعل هذا يغري الكثيرين في الدخول إلى هذه العوالم دون امتلاك ناصية المفاهيم والتقنيات والأسس الهندسية والموسيقية والبصرية واللونية التي تحكم العملية الفنية بذاتها.. ويحيلنا هذا الأمر إلى المطبوعة العربية، وهذا ما سيحدثنا به الزميل ناصر عراق من خلال تجربته الفنية والصحافية من جهة، ومن خلال منجزه « تاريخ الرسم الصحافي في مصر» الحائز على جائزة أحمد بهاء الدين .

من جانبه بدأ الزميل ناصر عراق مداخلته بالحديث عن قسمي الرسم الصحافي ، الأول الكاريكاتير المعبر عن فكرة ما، حدثية سياسية أو اجتماعية، والثاني الرسم التوضيحي المصاحب لتحقيق ما، أو قصيدة أو قصة ما، يقرأها الرسام ويتخيل صورة معبرة عنها، أو رسم لشخصية ما أو موتيف ما..الخ.

ولأن الحديث عن بداية الرسم الصحافي يحتاج للرجوع إلى بداية نشوء الصحافة، قدم عراق موجزاً تاريخياً عن بداية الصحافة في مصر، تحدث فيه عن الحملة الفرنسية على مصر وإصدار أول مطبوعة بعنوان « لوكربيه دي ليجبت» وفيها رسومات تعبر عن شعار الجمهورية الفرنسية ، بالإضافة إلى منشورات تحمل الأوامر والمراسيم والقرارات مترجمة للعربية كانت تعلق على جدران الأماكن العامة..

ومن ثم انتقل إلى عهد محمد علي واهتمامه بالصحافة وإرساله بعثات للخارج لتعلم الطباعة، وكان منهم مسابكي أفندي البيروتي ورفاعة الطهطاوي، وتأسيس أول مطبعة في مصر وهي مطبعة بولاق، ومن ثم جرنال الخديوي وصحيفة الوقائع المصرية ودور الطهطاوي في تطويرها واهتمامه باللغة العربية أكثر من التركية..

وفي ظل كل هذا ـ يؤكد عراق ـ ان الرسومات تسللت بشكل فعلي إلى الصحافة عن طريق الإعلانات، وبدأت تتبلور وتشق طريقها الخاص مع التطور التقني بعد الحرب العالمية الأولى وتطور جريدة الأهرام، ومن ثم ثورة سعد زغلول وظهور دوريات مميزة كروزاليوسف التي كانت تنشر رسومات لا يمكن نشرها الآن مع كل تطورنا.. وصباح الخير التي كان الرسم بطلها الأول..

واستشهد عراق برسومات عن كل هذه المطبوعات وقارن بينها وبين مطبوعات اليوم من الجرائد المحلية والعربية، مبيناً حجم التراجع المذهل في الرسم الصحافي، ومرجعاً أسبابه إلى أن معظم السلطات العربية تخاصم حرية الفكر وحرية الإبداع،

وإلى شيوع الأفكار المتشددة التي تحرم الفنون بما فيها الرسم، إضافة إلى عدم مواكبة بعض الفنانين للتطورات التقنية ومستجدات العصر، ومحدودية تجارب وموهبة وخيال البعض الآخر..داعياً الجميع للحذر من هذا الزوال، والاهتمام بالخط العربي الذي اندحر أمام خطوط الكمبيوتر، وبالرسم المهدد بالانقراض أمام طغيان الصور الفوتوغرافية ..

وفي ختام الندوة دارت نقاشات أعنتها بتجارب عربية مماثلة للتجارب المصرية، وبآراء عن دور أصحاب المطبوعات والفنانين الرواد في التأسيس للرسم الصحافي، ودور الفنانين الحاليين في تراجع الرسم الصحافي، وحالة الفصام التي حدثت عند بعضهم بين الواقع والحداثة، ودور الصورة والدعاية والإعلان، والقائمين على الوسائل الإعلامية.

الشارقة ـ محمود أبوحامد