يجمع معرض «الانطباعية الجديدة» تجارب العديد من الفنانين الإماراتيين، والمغاربة، ولهذا نلاحظ الاختلاف بين الأعمال، التي عبرت عن التجربة الإبداعية لكل فنان. والمعرض نظمته برعاية معالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، بالتعاون مع السفارة المغربية، وافتتحه مساء أول من أمس في قاعة النخيل في المجمع الثقافي في أبوظبي، عبد المحسن الدوسري الأمين العام المساعد للهيئة العامة لرعاية الشباب في وزارة الثقافة. بحضور الفنان عبد الله العامري مدير إدارة الثقافة والفنون في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وعبد القادر الزاوي سفير المغرب لدى الدولة وعدد من الفنانين، وجمهور من المهتمين.
يبدأ المتجول في المعرض برؤية لوحات الفنان الإماراتي عبد الرحيم سالم، مكتشفاً ما يتميز به أسلوب سالم التجريدي، حيث تقبع المثلثات التي قدمها معبرا عن فلسفة خاصة، إلى جانب لوحات أخرى يظهر من وراء ألوانها رجل جالس على كرسي، أو غيرها من التكوينات التي عبرت عن تجربة فنان بدأت منذ العام 1981، ليحقق من بعدها حضوره الفني على الساحتين المحلية والعربية، ويحصل على العديد من الجوائز. وفي المعرض تجاورت لوحات سالم وأعمال الفنان عبد القادر الريس الذي شارك في أكثر من 100 معرض جماعي، وأقام 32 معرضاً شخصياً في القارات الخمس، وحصد العديد من الجوائز. وعكست لوحات الريس المعروضة، تجربته مع التجريد على مساحات كبيرة من الألوان، ووضع حروفه وبالأخص حرف الواو الذي يمثل بحسب رأيه البداية لمعاني سامية مثل الوالدين والوطن وغيرها، بينما عكست الحروف الباقية جمالية الخط العربي.
أما عبيد سرور فقد عرض مجموعة من اللوحات التي تجسد طبيعة الإمارات جمعها ببقع حمراء، وضعت على كل اللوحات لتمنح المشاهد شعوراً بالاختلاف، بينما عبرت منى الخاجة من خلال لوحاتها عن التجربة الأنثوية في الساحة التشكيلية الإماراتية. وقدمت مجموعة من اللوحات التي تعكس تجربتها حيث تبرز الزخرفة في معظم أعمالها، ويجاور اللوحات الأعمال النحتية التي قدمها الفنان الدكتور محمد يوسف أول فنان إماراتي يفوز بجائزة في معرض الفنانين العرب عام 1979. وعن أعماله قال يوسف: «إنها لغة مع حوار الطبيعة، الريح، الجفاف، الاخضرار، والذبول، إنها تحولات تعبر عن دورة حياة الإنسان». أما الجولة على أعمال الفنانين المغاربة فقد بدأت مع لوحات حسن علوي الذي تنوعت مواضيعه بين البورتريه، والطبيعة الصامتة، جاورتها أعمال ضيف المعرض الفنان عبد اللطيف زين الحاصل على الميدالية الذهبية من الأكاديمية الفرنسية، وعكس الفنان في أعماله بعض التقاليد الشعبية معتمدا على الألوان الزاهية، لنساء ورجال غابت ملامح وجوههم ليشكلها المشاهد من جديد.
وهكذا يخرج الموضوع من بين إطار اللوحة ليتكون من جديد في ذاكرة المشاهد. بينما قدمت الفنانة ابتسام أبو عنان مجموعة من اللوحات التي جسدت فيها الخيول بالتركيز على وجوهها، أو على حركتها خلال السباق. وقدم الفنان محمد بستان مجموعة من اللوحات التي استحضر فيها الخط العربي بكل بهائه وروعته.
لتختتم الجولة بأعمال الفنان أحمد زبيطة الحاصل على العديد من الجوائز العالمية، و قدم الفنان زبيطة أعمالاً استحضر فيها الشرق بكل ما يمثله من تقاليد بحرفية عالية، حيث تجلس النساء والرجال كما يتخيل المشاهد في قصص ألف ليلة وليلة.
ولا بد من القول في النهاية، إن المعرض الذي حمل اسم الانطباعية الجديدة جمع أعمالا متعددة الأساليب ما بين الانطباعية، والتجريدية، والحروفية، وغيرها..ما جعله متحررا من التسمية، ليكون قريباً جداً من الإبداع الشخصي للفنانين الذين عكسوا الفن المغربي والإماراتي، على أن ينظم معرض مشابه في وقت لاحق في المغرب، ما يمنح الفرصة للجمهور المغربي الاطلاع على الفن الإماراتي.
محاضرة حول التشكيل الإماراتي والمغربي
بعد الجولة في المعرض انتقل الحضور لمتابعة المحاضرة التي تناولت الحركة الفنية في المغرب، وفي دولة الإمارات حاضر فيها الفنان الدكتور محمد يوسف والشاعر والناقد المغربي عبد الرحمن بن حمزة الذي استهل المحاضرة بالحديث عن الفن التشكيلي المعاصر في المغرب قائلاً:«الفن التشكيلي المعاصر كلمة تقود إلى مفاهيم مغلوطة، لأننا نخلط بين ما هو حديث، وبين ما يسمى بالفن المعاصر، خاصة وأن المؤسسات الرسمية والمتاحف هي التي ابتكرت هذه المسميات، بينما يوفر في الواقع الإبداع الحرية المطلقة للفنان في التعبير».
وانتقل بن حمزة من بعدها ليتحدث عن التشخيص قائلاً: «وجد الفن المغربي بشكل أفضل في الفنون التشخيصية وشبه التشخيصية، وكما حدث في الغرب عاد الفنانون المغاربة إلى الفنون التشخيصية، وهي عودة لا تعني أي شيء على المستوى التاريخي، فالفنانون التشخيصيون يشتغلون في إطار الاستمرارية التي تندرج في الذاكرة، وفي هذا الإطار برع عدد من الفنانين مثل عبد اللطيف الزين، وأحمد إدريس، وحسن علوي وغيرهم..
وكان لكل فنان منهم طريقته، ينهل من سجل خاص به، ويعبر رغم الاختلافات عن الروح المغربية، بعيداً عن أي نظرة. أما في مجال الفن الفطري فقد برع مجموعة من الفنانين أمثال فاطمة حسين، ومحمد بن علال الذين تميزوا بإعطاء أولوية للون، أما مواضيعهم فلا تتميز بأية أصالة».
«من الفنون الفطرية إلى الفرح الخالص عبر التجربة الحرفية».. بهذه العبارة بدأ بن حمزة الحديث عن الحروفية قائلاً :«لا يكتفي الفنان الحروفي بتقديس الحرف كعلامة تجريدية، مستخدماً الألوان كخلفية لعباراته، لدرجة أن الحرف قد يفقد شخصيته أحيانا، ويتأرجح العمل ضمن تجريد، حرف مبسط».
أما الفنان محمد يوسف فبدأ حديثه بالقول:«إن الاتحاد جعلنا نخطو خطوات سريعة في مجال الفن التشكيلي، أما البدايات فتعود إلى زمن تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، عندما كان لدينا أسماء مهمة، مثل عبد القادر الريس، وعبد الرحيم سالم وغيرهما سبقهم جيل الرواد أمثال أحمد الأنصاري، وعبد الله أبولحية، أما جيل الاتحاد الذي نعتز بالانتماء إليه.
فقد أسس حركة تشكيلية، انطلاقاً من الإيمان بشكل علمي موثق وأكاديمي، وبدأنا من الصفر لتعكس خطوطنا، الأشكال الموجودة في الدولة، بينما عكست ألواننا التي تراوحت بين الأزرق والأصفر، ألوان هذه الطبيعة البحرية والصحراوية».
وقال يوسف: « إن الحركة التشكيلية تخطت الكثير من المراحل» ، وأضاف: «أصبح لدينا بينالي الشارقة الدولي، وانتقلنا من المحلية إلى العربية والعالمية، وحظينا باهتمام الكثير من الجهات المحلية، والمؤسسات المعنية، لتأتي مرحلة جديدة وهي مرحلة التمثيل الدبلوماسي، التي أتاحت الفرصة للاقتناء، ومن ثم إهداء بعض قادة الدول لوحات لفنانين إماراتيين، ترسل مع سيرتهم الذاتية».
وتطرق يوسف إلى الحركة النسوية قائلاً:«برز في هذا المجال أسماء هامة مثل الدكتورة نجاة مكي، وكريمة الشوملي، ومنى الخاجة، وغيرهن.. من اللواتي تقف أعمالهن عند حد معين، ومن الملفت حالياً، استمرار الشابات، وعزوف الشباب عن الاستمرار في المجال الفني وربما يعود هذا لأسباب اجتماعية واقتصادية».
وبعد واقع التشكيل النسوي، انتقل الفنان محمد يوسف لطرح قضايا عدة مثل دور الفنانين العرب في إثراء الساحة التشكيلية في الدولة، ومن ثم تجاوز الكثير من الفنانين المحليين لمستوى بعض الفنانين العرب،
وظاهرة حسن شريف الذي عاد من بريطانيا بأسلوب تحرر فيه من اللوحة، ليظهر فيما بعد الكثير من الفنانين الذين قلدوه، في التعبير عن طريق البوب آرت والفنون الأرضية.
وختاماً،عرض يوسف تجارب الفنانين في مجال الحروفية والنحت، مستشهداً كما فعل الشاعر والناقد المغربي بن حمزة بصور العديد من الفنانين، الذين برعوا في مجال التشكيل، مما منح المحاضرة تصوراً أوضح بالنسبة للجمهور.
أبوظبي ـ عبير يونس


