مع بدايات كل عام جديد، ننشد الأمل والحب والضياء، نجلس نتنسم الهواء العليل، نحصي الثمرات.. يحدونا الأمل للحفاظ على قطرات المياه العذبة التي حملناها معنا في صحراء شاسعة، نخاف عليها تتسرب بين أصابعنا المرتجفة، تضيع على الرمال، كجرعة أخيرة في فم مريض يحتضر.
هل حققنا ما كنا نصبو إليه خلال العام المنصرم؟ وماذا تبقى لنا من الزاد والمتاع لنواصل رحلة الحياة؟
أحمل معي، في القلب، كلمات، من الأعوام الراحلة، إلى عامنا هذا القادم من وراء الغيب.. أحمل كلمات «جورديمير» الحائزة على جائزة نوبل للآداب منذ سنوات خلت.
تقول فيها: «في البدء تكون الكلمة، وعبر عصور الثقافة الإنسانية المختلفة، اتخذت هذه الكلمة مظاهر متباينة، بعضها ديني والبعض الآخر دنيوي، ولكن امتلاك هذه الكلمة كان دائماً دلالة على المكانة والسلطة، وفي بعض الأحيان الأخرى.. أودى ذلك بالإنسان إلى مزالق خطرة وفي عموميتها كانت الكلمة ترتاد الفضاء، وتقترب من السموات التي أمن الإنسان أن هذه الكلمة أتت منها».
وتقول أيضاً: «إن أهم تحول طرأ على الكلمة هو أنه عندما جرى تسجيلها على لوحة حجرية، أو بردية فرعونية وتحولت بالتالي من لفظة مسموعة إلى مجموعات متراصة من العلامات والحروف، وتنقلت بالتالي عبر الأزمان العمرية من المخطوطات المكتوبة على الرق والأحجار والأوراق الشجرية، إلى الصفحات الدوارة عبر ماكينات الطباعة المختلفة الأجناس والألوان والأشكال».
انتهت كلمات جورديمير، وسيظل تراث الإنسانية هو القلب النابض في كل زمان ومكان، القلب المتدفق بالخير والعطاء على الدوام، هذا القلب سيظل في مكانه لا يتزحزح ولا يتبدل ولا يتغير ولا يمل أو يتوقف عن ضخ الدماء النقية إلى باقي أطراف الجسد والعالم.. وثقل هذا القلب.
يعود إلى تاريخه الطويل والعريق، فالدماء الذكية التي يضخها وتجري في الشرايين والفروع والأطراف، لم تتكون من لا شيء، بل محصلة ثمرات متنوعة ندية تقوي عضلات القلب المترع بالحب، لمواصلة الحركة والتدفق بالتراث الفكري الإنساني عبر العصور والزمان.
والقلب، هو المركز في حياتنا وفي عالمنا، الفروع هي أطراف الجسد التي لا غنى لها عن هذا القلب النابض.
ومركز الدائرة، أهم نقطة في الدائرة. هي المرتكز والعمود الأساسي الذي تقام عليه الخيام ليتم شد الأوتاد. فإن لم يكن المركز، فلا وجود للدائرة حوله أو الأطراف والحواف المحيطة بنقطة الارتكاز.
هذا المركز هو كالشمس التي تدور حولها الكواكب السيارة بما فيها الكرة الأرضية وبما تحوي من الجهات الأصلية الأربع. فالعالم كله يدور في فلك الشمس، وسيظل كذلك، الكواكب تدور في مدارات النجوم وستظل تابعة لها.. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
