ما من رحلة في قراءة أشتات العقول، وما من فسحة بين مطاردات أوصال الكلمات. إلا أن كتاباً مثل «رمل وزبد» لجبران أو «طيور شاردة» لطاغور أو «بستان الورد» لسعدي الشيرازي، يقنعك بأن حقيقة العالم تتكون من أجزاء وشذرات تجمعت على ساحلك المديد، أمام بحر العبارة الواسع.
يفتتح جبران كتاب «رمل وزبد» بهذه العبارة: «على هذه الشواطئ أتمشى أبداً، بين الرمل والزبد. إن المدّ سيمحو آثار أقدامي، وستذهب الريح بالزبد، أما البحر والشاطئ فيظلان إلى الأبد».
كانت لي خالة خياطة تجمع فضلات الأقمشة بعد أن تفصلها ثياباً، فتصنع منها بساطاً زاهي الألوان. وحين ماتت الخالة خيط لها كفن أبيض، وألقيت في حفرة مظلمة، فشتان بين خياطة الحياة وخياطة الموت.
يستطيع الشاعر أن يستولي على الألباب بصياغة فضلة الألفاظ عقوداً من جواهر الشعر. ويقدر الحكيم على أن يؤلف من صغائر الأقوال عبارة تملأ كتاباً بظلالها الزاحفة على الأوراق. وحين تتسع هذه العبارة في قراءة الصامتين والمغلوبين والمتعبين، تتهدم عروش وتتقوض صروح.
شذرة شاردة من كتاب طاغور تقول: «ماء الإناء صاف، وماء البحر قاتم. رداء الحقيقة الصغيرة ألفاظ واضحة، ورداء الحقيقة الكبيرة صمت كبير».
دكانا صانع الذهب وصانع الفضة متجاوران، لكن بريق الذهب جذب الناس إلى دكان الصائغ الأول، وكسدت مصوغات الصائغ الثاني. وفي يوم سُرق دكان صائغ الذهب، فانتبه الزبائن إلى بدائع دكان الفضة واشتروا مصوغاته كلها.
أزاح اكتشاف خارطة الجينوم غموض قارة الإنسان. تستطيع الشذرات المتفرقة أن تدحض المقولات الفلسفية الكبرى حول غموض العالم. يحلم الفوضويون والعدميون بتدمير العالم بوساطة البارود والذرة والسُّم، بينما يحلم الكتّاب والفانون بغزو العالم بوساطة النص المترابط عبر شبكة الاتصالات الدولية، والتجهيز الصوري الفراغي والفيديوي، وتوسيع العبارة وتفعيل الإشارة.
تستطيع الإشارات اليوم أن تسري في الأجواء والأكوان من دون أن تتزحزح قيد أنملة عن مكانها في العبارة. وصلنا إلى نقطة افتراضية نظن عندها اجتماع الأبعاد الحسية في إشارة أو تجربة مختبرية. إلا أننا قد نصحو على الاحتمالات المتبقية من مجهولات عالمنا، عند النقطة ذاتها التي أنهينا بها عبارتنا، ولمّا نستعمل إلا قطرات شحيحة من بحر الكلمات والإشارات، فنواصل السير بعلمنا وفهمنا إلى نقطة أبعد من قارة الجينوم.
قد تضيق عوالم الحس والأشياء أو تفنى، إلا أن عالم الإشارات وحده يبقى مكانه في العبارة لا يتزحزح ولا يفنى.
نقرأ في كتاب «كلستان» هذه الحكاية التي دونها سعدي الشيرازي: رُوي أن أحد ملوك خراسان رأى السلطان محمد بن سبكتكين في المنام بعد وفاته بمئة عام، أنّ وجوده قد انحلّ وصار تراباً ما عدا عينيه فإنهما ما تزالان تبصران وبمحجريهما تتحركان، وقد عجز سائر الحكماء عن تأويل هذه الرؤيا. غير أنّ درويشاً عبرّها خير تعبير، فقال: هو ناظر الآن، فملكه باقٍ وإنْ انتقل بيد الآخرين.
كلما زدنا عالمنا تعريفاً بالمصطلحات والإشارات، ازداد هو انزلاقاً في عباراتنا وتمدد في حيزه الافتراضي الآخر. إننا نعود مرة بعد أخرى إلى ساحل المفاهيم والرؤى البكر، حيث كتبنا الرمز الأول في جينوم قارتنا الإنسانية على رماله. لا فرق عندي بين نص قديم ونص حديث، ما دامت إشاراتهما تتبادلان الرحيل بين مرفأين متقابلين في بحر العبارة.
إن العالمين القديم والحديث يتقابلان في هذه الشذرة التي فاه بها الأديب الصيني غاو كيسنغ جيان (نوبل 2000): «أنادي بأدب يفتتح أبواب الفرار، أدب يكون ذخيرة وخزيناً للروح».
أحدثكم عن صديق شاركني مهنة التعليم ردحاً من الزمن، وكان مجوداً في الخط وجلاء الأفكار. زهد الصديق بمهنته الأولى، واحترف كتابة (العرائض) على باب إحدى الدوائر العدلية في أواخر عمره.
ثم هُدمت الدائرة، وانتقلت روح صاحبي إلى دار الحروف والخطوط العلوية، لكن طاولة الكتابة التي امتهن على حافتها (عرض حال) الحقائق الدنيوية المتحولة ظلت مربوطة بسلسلة إلى عامود أمام بناية الدائرة المهدمة، شاهداً على إحكام خط حروفه وعدالة القضايا التي عرضها أمام الحكام.