يتحدث الشاعر السوري زهير غانم المقيم في العاصمة اللبنانية بيروت عن المشهد الشعري في الوطن العربي والعالم، كما يتناول محطاته في الرسم والفنون التشكيلية، وعلاقته بشوارع بيروت وأرصفتها التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من حياة وتجارب المثقفين العرب والعالميين. غانم أصدر إحدى عشرة مجموعة شعرية، كما أقام معارض تشكيلية في لبنان وسوريا وغيرهما من الدول.. التقته «البيان» في بيروت، وكان هذا الحوار:
* كيف تعرف الشعر اليوم بعد كل الذي طرأ وتغير في الحياة والإنسان؟
ـ لا أستطيع تعريف الشعر، لكنني أغامر وأقول هو غني عن التعريف، ولكن هو ليس هو، كذلك هو هو، أي في النفي والإثبات. لكن علينا إيضاح ما جوهر هذا الضمير، إن الشعر نوع من الألخيمي في اللغة كما الألخيمي العربي أي حجر الفلاسفة وتحول المعادن إلى ذهب. إنه كيمياء لغوية خاصة، وهو كما قال أدونيس لغة في اللغة، وبمعنى أوضح لا اعرف ما هو الشعر، ولا أجد أحدا استطاع تعريفه، ولو استطاع أحد لمات الشعر.
* بعد تجربتك في الكتابة الشعرية، هل تعتبر أنك كتبت كل ما يجول في باطن أيامك؟
ـ أعتقد أنني كتبت شيئاً من هذا، جزءاً نهائياً، فيما الشعر لا نهائي، وإذ كنت لا أعرف كيف بدأت ذلك، فإنني تعرفت على صيرورة الكتابة الشعرية التي بدأت في الشباب في الثانوية، ربما المراهقة بتقليد نزار قباني أواخر الستينات، وكان نزار في تجلياته، ثم تعرفت إلى بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، وبعدها تعرفت إلى أدونيس وصلاح عبدالصبور، وأجد اليوم أن الشعر يغلبني، يتنفسني، يتشاهقني، يتلاهثني غير انه لا يترك لي فسحة لأنام، إنه الشجرة التي تسهر قرب الإنسان.
* إلى جانب الشعر تمارس الرسم، هل تعتبر اللوحة جواباً للقصيدة، أم أن اللون هو الذي يجوهر القصيدة اللوحة؟
ـ عندما نتحدث مع أحد ما، نقول له في الترجيع والاستذكار تصور كذا وكذا. إذن، الصورة هي الأولى، مقابل في البدء كان الكلمة. تعرف، نحن في بلد اختراع الأبجدية بين جبيل اللبنانية وأوغاريت السورية. إذن الكلمة رمز وصورة للشيء والرسم كتابة باللون، ونزار قباني قصيدته الشهيرة الرسم بالكلمات، هناك تناقد بين الفنون، جبران رسام وشاعر وهناك تجارب كثيرة في ذلك، أنا بدأت الرسم ببذور شعرية. هناك أبجدية لغوية في الشعر والشعر لغة في اللغة، كذلك اللوحة لديها أبجدية ألوان وفسيفساء خاصة.
* ما اللحظات والطقوس التي تدفعك للكتابة والرسم في هذا الزمن الغريب؟
ـ في زمن ما سألني صديق، مدرس لغة عربية، كان معي في المدرسة، وأنا استقلت وبقي هو يسألني: ماذا تعمل؟ قلت له: أكتب الشعر فاندهش وأجاب، ليس الشعر عملا. وكتبت زاوية بهذا الشأن قلت إنني ألعب بفائض اللغة وفائض الزمن هكذا هو الشعر.
* اللغة حاضرة بقوة وكثافة في نصك، لماذا؟
ـ الأبجدية اللغوية هي مادة الشعر، مثلما الأبجدية اللونية هي مادة التشكيل والرسم، وأنا من الذين يقولون إن اللغة كينونة وليست تعلما فقط، وهي في صدور الناس كما يقول ابن خلدون، وليست في المعاجم والقواميس إلا من باب الإحصاء والمعرفة. لغة الشعر ليست وظيفية دائماً، إننا نستخدم أقلها وتستخدمنا بأكثرها عكس لغة النثر التي هي وظيفية وتواصلية، ونستخدمها جميعها ولا تستخدمنا.
* هل تعتبر أن التكنولوجيا قد تأخذ مكان اللغة في التعبير؟
ـ حين كانت فيزياء الصوت تكتشف سرعة الصوت وتسير فيها، كانت اللغة الصامتة هي الأساس، وحين ذهبت فيزياء الضوء إلى اكتشاف سرعة الضوء وعدم القدرة على السير فيها، غدت الصورة لغة مركزية بحد ذاتها، وكل ما يفعله الإنسان هو الجسر الأرقى للنفس، اللغة هي أداة التواصل الأرقى، وهي الكينونة والتبادل والسوق، وما الذي حدا بالفينيقيين لاختراع الأبجدية سوى التواصل والتبادل.
* ماذا تعني لك المدينة؟
ـ للبحر سنقول هذا المساء، كم كنا غرباء في ليل المدينة. كما يقول سان جون بيرس، ثم ان إليوت في قصيدته «الرجال الجوف» أي الذين بلا روح، ورغم أن مدننا العربية «مريفة» كما يقال بسب هجرة الريف إلى المدينة، إذن المدينة عبارة عن غربة واغتراب حتى انها عبارة عن منفى آخر.
* المرأة في حياتك أما زالت سيدة الوجود؟
ـ مبدأ الأنوثة هو مبدأ الوجود، فأنا ابن امرأة، التقدم الحضاري يقاس بتقدم المرأة في المجتمعات، والأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق.
بيروت ـ سامي نيال
