رافي، اليهودي العربي صاحب مطعم الفلافل في قلب مدينة أمستردام يقوم بإقراض أنطونيو، رجل الأعمال الساعي للفوز بقلب إمرأة يحبها، المال المقيد بشرط مفاده أن الأخير إذا لم يتمكن من ردّ المال في الوقت المحدد، فيحق لرافي اليهودي إقتطاع رطل من اللحم من جسده.
وعلى العكس من أحداث مسرحية شكسبير المعروفة (تاجر البندقية) التي تتناول الأمر بجدية ثقيلة وتخضعه لفلسفة معقدة، عمد الكاتب الهولندي يوستس فان أوول إلى المضي بالأحداث بطريقة فنطازية تسخر من الإنتقام الشخصي الذي يمور في صدر رافي اليهودي لكن العربي أيضاً في إشارة للجمهور الهولندي ربما بأن صنّاع المشاكل هؤلاء أصلهم من عرق واحد، أنظروا إليهم كيف ملأوا العالم ضجة نتيجة لصراعهم المرير في فلسطين، بينما يصنعون الفلافل سوية في أمستردام ويتبادلون مواقع النفوذ في المدينة العريقة بطريقة متحضرة.
لقد لجأ النص المحبوك بطريقة حرفية عالية نتيجة للتجربة المسرحية الطويلة لفان أوول، إلى البحث في فلسفة الإنتقام بطريقة كوميدية منطلقاً من جملة حقائق مفادها، أن غير المعروف ليس بالضرورة غريباً، أبحث عن جذر المشكلة، لم يستسلم أحدهم لغواية الإنتقام ويفقد إنسانيته؟، هل تعرف؟، يقول فان أوول، لم يكن محمد بي مجرماً (يقصد المتطرف المغربي محمد بويري الذي أغتال المخرج ثيو فان كوخ قبل ثلاث سنوات في المدينة) لقد كان ضحية، التطرف يجلب التطرف، ومن السهولة جداً أن تخلق لك عدواً مستعداً لينتقم منك عندما يشعر بأن كرامته قد أهدرت.
العرض حاول إيجاد أجوبة لأسئلة معقدة في الحقيقة، تتعلق بتطيّر البعض في الغرب من الإسلام، سيما هؤلاء الذين يمتلكون القدرة على صنع القرار، أو عدم الفهم المتبادل، أي بدل أن تخاف مني أفهمني، يقول بطل العرض الممثل الهولندي من أصل عربي صبري سعد الحاموس، إنها رسالة للجميع، مفادها إن ثمة نقصاً مريعاً في معرفة الآخر، وجهلاً مطبقاً بحقيقة الإسلام.
أما يوستس فان أوول فيقول، شخصياً لا أؤمن بطروحات البعض بأن المسرح يمكن أن يغير الحياة، لست متفائلا في هذا الجانب على أية حال، في عالم متلاطم من التقنيات ومراكز التأثير القوية على البشر، لا أريد أن أكون عذرياً على طريقة الأصدقاء المسرحيين العرب، لكنني أيضاً لا أريد أن أقدم الترفيه حسب، وإلا يمكن للجمهور الذهاب إلى السيرك، لقد أردت أن أقدّم فكرة جديدة، أمستردام اليوم تختلف كلياً عن أمستردام الخمسينات، ونفوذ اليهود قد تراجع لصالح المد العربي، أو المسلم، وإن كان نفوذاً عددياً أو ثقافياً إلى حدٍ ما، وليس مالياً، لكن ما يعنيني هو ما الذي سيخلفه هذا التغيير على المدينة العريقة، هذا ما أردت طرحه.
العرض يستند بالدرجة الأولى إلى الكوميديا السوداء، بدءاً من فكرته، شكسبير في مطعم للفلافل والشاورما، وانتهاء باليهودي المعاصر، أو البديل الموضوعي لشايلوك، اليهودي السيئ رافي الذي لا يمتلك الرحمة في قلبه، لكن العربي أيضاً الذي فقد مملكته في الشرق وصار يصنع الشاورما، الذي لم ينتقم لشرفة منذ مدة طويلة، من الغربي الأبله الذي لا يعبأ إلا لرغباته والفوز بعروسه، لاحظ الإسقاطات التاريخية في النص الشائك الذي يطرح عشرات الأسئلة في ثناياه.
ترى هل أرادوا القول إن هولندا فقدت هوّيتها، وهي التي تنتصر للأحاسيس والحب، بينما يحتفظ الآخرون بمشاعر الثأر من القرون الوسطى؟ مامعنى أن يهبطوا بشكسبير، أو نصه لا فرق، إلى مطعم شاورما؟ ولم ظهر اليهودي عربياً هذه المرة؟ وهل كان مقدراً لرافي المضي بتنفيذ غايته وقطع ردف أنطونيو لولا خديعة الدم التي ابتدعها القاضي؟
أقطع ما شئت من جسده شرط أن لا يسيل الدم، هكذا قالوا له في النهاية، لقد فكر في سره، سأقتطع رطلاً من جسده حتى لو سال الدم وأدخلوني السجن، الشرف يستحق التضحية، هكذا فكر، الآن اليهودي البخيل الساعي للإيذاء يتراجع نفوذه في مدينة أمستردام العريقة ليحل محله العربي وإن كان صانع فلافل وشاورما وليس مصرفياً، فهو لم يسلم حتى على الفلافل التي صارت محط صراع مرير هي الأخرى على هوّيتها، وعلى سبيل المثال.
ثمة شركة هولندية تمتلك فروعاً لمطاعم الفلافل في عموم هولندا تزعم إنها من تقاليد المطعم اليهودي، بل إنهم يوسمون مطويات التعريف الكارتونية بعبارة (أطيب الفلافل الإسرائيلية) في حين يكتفي العرب بالعمل في المطابخ الخلفية بطحن الفول المصري الجيد ليمنحوا الفلافل الإسرائيلية طعمها المميز، كما لو كنا نخوض صراعاً إيديولوجياً لإثبات أصل الفلافل والشاورما هذه المرة.
بعد أن نجحنا في صراعاتنا الأخرى بزرع الرعب في قلوب الأعداء وصاروا يوسمون جوازاتنا بعبارات تبعث على الفخر، من مثل، مرهوب الجانب، أو أفسحوا لحامله الطريق، أو أنتبه إنه كروي ويدور، إلى آخر العبارات الممتعة.
طبعاً العرض معبأ بالمعاني والإيحاءات، التي يمكن بسهولة أدلجتها هذا إذا كنت من النوع المتشكك بطبعك، أما إذا كنت بريئاً مثلي فلابد من إنك لا تحمّله أكثر من طاقته، كما يقول فان أوويل نفسه، لقد أستمتع الجميع وضحكوا في النهاية، ونظراً لكوني عربياً فقد عدت للسؤال ثانية، من ضحك ممن يا أوول؟
إضاءة
عرب أمستردام
النص المسرحي : يوستوس فان أوول (عن مسرحية تاجر البندقية لوليم شكسبير)
إخراج : آرام أوريانس
تمثيل : صبري سعيد الحاموس، هاين فان درهايدن ، رايمي سامبو، بيغي ريان دي سخيبر، ميريام ستوفيك.
إنتاج : نيو أمستردام ثياتر
أمستردام ـ محمد حيّاوي