الشاعر جوزيف حرب من ألمع الشعراء العرب المعاصرين الذين يملكون حساً مرهفاً وحدساً صادقاً.. عرفته عامة الشعب العربي من خلال كلماته العذبة الرقيقة التي شدت بها ساحرة الغناء الفنانة الكبيرة فيروز، وعرفته الخاصة من خلال أعماله الشعرية التي رفعته الى مصاف كبار الشعراء العرب المحدثين.

ومن هذه الأعمال: «شجرة الأكاسيا» عام 1984 و«مملكة الخبز والورد» عام 1991 و«الخصر والمزمار» عام 1994 و«السيدة البيضاء» عام 2000، وله ديوانان بالمحكية اللبنانية هما: «مقص الحبر» عام 1995 و «سنونو تحت شمسية بنفسج» عام 2004. وبعد انقطاع طويل عن النشر، صدر له ديوان شعري بعنوان «رخام الماء»، وهناك ديوان جديد قيد الطبع.. التقت «البيان» الشاعر جوزيف حرب في القاهرة، وكان الحوار التالي:

ـ لماذا هذا الانقطاع الطويل عن نشر دواوينك ؟

ـ بالإضافة إلى ديوان «رخام الماء» هناك قصائد عن لبنان أفكر في نشرها الآن، ولي منطقي الخاص في تأخير نشرها، فالشعر يجب أن يستمر عندما تتوقف البنادق عن الكلام، والمثقفون يجب أن يتوقفوا عن ممارسة رغباتهم الذاتية، فكل هذه الممارسات تثير الغثيان..

ـ ترأست اتحاد الكتاب اللبنانيين .. فما رأيك في الاتحادات العربية عامة، ودورها الذي يشير إليه ويتهمه البعض بأنه تعجيز الكتاب والأدباء لا تعزيزهم؟

ـ أولاً: اتحاد الكتاب اللبنانيين ليس اتحادا رسميا، وإنما اتحاد حر لا علاقة له بالسلطة، ثانيا: إن اتحادات الكتاب في الدول العربية مرجعها هو السلطة لأن إنشاء هذه الاتحادات، وطبيعة ممارساتها تعود إلى مفهوم كونها مؤسسة رسمية، أما اتحاد الكتاب اللبنانيين فلا يأخذ إذنا من السلطة في كل ما يفعله، وليس بكاتب تقارير.

وأعتقد أن أهم صيغة لاتحاد الكتاب هو الاتحاد نفسه بحيث يكون مستقلا، وفي نفس الوقت مدعوما من الدولة بدون أن يكون لها الحق في التدخل في أنشطة الاتحاد، أيضا يكون للاتحاد حرية التصرف في الأموال بما فيها أن ينفق ماديا ما تقدمه الدولة على نقد السلطة.

ولكن هذا الاتجاه غير موجود، ونحن في لبنان نعاني غياب القدرة المادية على تنشيط دور الاتحاد كاتحاد مستقل، ولسوء الحظ تدخلت في مصيره أحزاب كثيرة فكثفت من وجود مثقفيها، فأصبح الاتحاد مهمشا وخرج منه الكثير من الكتاب والشعراء بسبب هذا التدخل الحزبي، وكانت المرحلة التي ترأست فيها الاتحاد شاهدا على ذلك.

ـ نسمع الرائعة فيروز تغني أشعارك .. فلماذا تكتب لفيروز دون باقي المطربين والمطربات؟

ـ الغناء العربي يمر بفترة خريفية قاسية، فأنا أرى نانسي عجرم بعيني، لكنني أسمع بأذني فيروز وأم كلثوم اللتين تخلوان في مضمونهما الرائع من شروط الخصر النحيل والمفاتن البارزة.

وغناء فيروز لكتاباتي هو اعتراف مني بقيمة فيروز، ولا تزال لديّ رغبة في كتابة الأغنية، خاصة إذا ما تسنى وجود ملحن كبير وصوت راق، لكن المطربين والمطربات الذين يحتلون الساحة الفنية اليوم لا أستمع لأحد منهم على الإطلاق، وأحب أن أشير إلى أن فيروز لم تتغن بأشعاري، وإنما تغنت بقصائد غنائية كتبتها للغناء وليس للقراءة.

ـ قصائدك تبقى مسرحا للأسئلة الوجودية .. كيف ولماذا؟

ـ الأسئلة الوجودية من طبيعة الشعر، فالشعر مسرح للسؤال لا الجواب، والشاعر في حيرة دائمة، وحالة من الاكتشاف الدائم والسفر الدائم أيضا، ولا يستقر على شاطئ، ولعله الصورة التي تعبر بشكل حقيقي عن الروح البشرية، كما إن هذه الروح مصابة تاريخيا بحالة من القلق، وتظل أسئلتها بإجابات ليست نهائية، وهنا الفرق بين الشعر والدين، فالدين أوجد لنفسه أجوبته النهائية .. أما الشعر فلم يزل في حالة السؤال.

ـ هناك صراع دائم بين الفصحى واللهجات المحلية، لكنك انتصرت للهجة اللبنانية (المحكية) حيث ظهر هذا جليا من خلال قصائدك الأخيرة .. فهل سيدوم هذا الانتصار على حساب الفصحى؟

ـ أنا أكتب الفصحى والمحكية، وأعتقد أنني لم أنتصر للهجة اللبنانية على الفصحى فقد لازمت بينهما منذ بداية كتاباتي، وربما انصرفت للفصحى وجاءت طباعة دواويني بالمحكية متأخرة قليلاً، وهناك قلة من الشعراء يتقنون الكتابة الشعرية بالفصحى والمحكية.

بينما الأكثرية تكتب إما بالفصحى وإما بالمحكية فقط ، وعندما أكتب الفصحى تصاب المحكية لديّ بحالة هجاء، وكذلك تمحو المحكية الفصحى عندما أمارس الكتابة بها، لكنني أرى أن الفصحى لا تزال لغة المعاني الأدق والمشاعر الأعمق، وكثيرا ما تنعكس صيغة الكتابة الجمالية في الفصحى على صيغة الكتابة الجمالية في المحكية فتبدوان وجهين لعملة واحدة.

ـ المطالع لقصائدك يشعر فيها بالحزن والشجن، لماذا هذه السوداوية ولماذا هذا الألم والشجن؟

ـ ليس هناك ما يسمى بالشجن أو غير الشجن بل هناك الحياة وانعكاسها على روح الشاعر، وإذا كان الشاعر بجزء منه ينتمي إلى بيئة ما فأنا بصراحة أنتمي إلى بيئة مصابة بمرارات كثيرة وحسرات وهزائم.

تبين لنا أن ليالي هذه الأمة إنما هي ليال طوال، وعندما يشعر أي شخص والشاعر تحديدا بكل هذا فليس معناه أنه مصاب بالشجن، وإنما بانعكاس هذه الحالات على روحه الشعرية، والتي تحول هذه الحالات إلى خلفية غير مرئية للكتابة الشعرية، فتارة فلسطين ممزقة وتارة العراق والصومال ولبنان، والأمة إما أنها في حالة انتصار أو أنها في حالة ضعف .. فأين مدعاة السرور والتفاؤل والفرح؟

ـ ماذا عن علاقتك بالراحل ميشيل طراد الذي قلت إنه من أهم شعراء اللهجة المحكية ؟

ـ ميشيل طراد كان ناعما كطفل، ورقيق الروح كمياه الينابيع اللبنانية، وكانت كلماته كالفراشات تخرج من القلم وتطير على الورق بعد أن تأخذ لنفسها أشكال الكلمات، وأعتبر طراد من أساتذتي الذين ساهموا في صناعة صياغتي الشعرية في المحكية، وعبر عن مرحلة «رومانتيكية» رائعة من غير أن يمارس كتابة الفصحى حيث انصرف إلى المحكية.

ونقلها نهائيا من محكية الفم إلى محكية اليد، بمعنى آخر أبعدها كثيرا عن الزجل فأصبحت قريبة من جمالية الفصحى، فالتقليد والارتجال وما يعتبرونه سرعة الخاطر والصياغات الضعيفة الموجودة جاء ميشيل طراد وأنقذ المحكية من كل هذه الشوائب، إنه باختصار شاعر كبير.