شهدت صالة المركز الثقافي الروسي بدمشق مؤخراً، معرضاً جديداً لفنان الخشب الصبور «محمود جلال العشا» ضم خمساً وثلاثين لوحة منفذة بكاملها بواسطة الخشب المعاكس المرسوم والمقصوص والملصق، تناول فيها موضوعاً رئيسياً هو «العازفون» على آلات موسيقية مختلفة، إضافة إلى بضع لوحات تناول فيها موضوعه الأنيق الجميل، دمشق القديمة.

ومزاولي المهن والحرف التقليدية الشعبية التي انقرضت أو تكاد، كالقباقيبي، والتناكجي، والمسحراتي، والحمصاني، وبائع دواليب الهواء، والعرقسوسي، وبائع الكنافة، وصانع الحصر، والحارس الليلي، والفران، وصندوق الدنيا.. وغير ذلك.

يستغرق تنفيذ اللوحة الواحدة من الفنان العشا ما يربو على شهر، بمعدل أربع إلى خمس ساعات عمل يومية.

وهذا العمل شاق وصعب بالنسبة لفنان فتي شاب، فما بالك برجل ناهز الخامسة والسبعين من العمر (مواليد دمشق عام 1931) لكن يبدو أن الفنان العشا تمرس على ذلك. ولكونه هاوياً في الأساس، وعلم نفسه بنفسه، ويعشق مهنته، ما يجعله لا يشعر بالتعب، ولا بمرور الوقت، ولا يهتم بما تدر عليه هذه الأعمال من أموال، إذ يبقى الجانب المعنوي، والمتع السرية الخاصة التي تأوي إلى روح هذا الشيخ الفنان، أثناء انكبابه على عمله، هو جل ما يطمح إليه، ويفوز به.

يضاف إلى ذلك، اعتباره لما يقوم به، نوعاً من التعبير عن خواطره الحميمية، وعما يعتمل في نفسه، من حب للتراث الذي يطمح إلى وضعه بين أيدي الأجيال المقبلة، عبر لوحته، بهدف حفظه من الضياع والاندثار، ولفت الانتباه إلى جمالياته الفريدة.

من أجل هذا، يحرص الفنان محمود جلال العشا على مقاربة الواقع في لوحته، وتمثله بأدق تفاصيله، على رغم صعوبة ووعورة التقنية التي يستخدمها في تنفيذ هذه اللوحة، وعدم قابليتها للتجاوب الكامل مع رغباته، في الإحاطة بتفاصيل عوالم لوحاته التي يستدعي من خلالها، زمناً جميلاً ساحراً، عاشه في طفولته ويفاعته، معتمداً على خواطره ومخزون ذاكرته الحبلى بصور الحارة الدمشقية، في النصف الأول من القرن المنصرم.

انكب الفنان العشا على ممارسة هذا الفن مطالع سبعينات القرن الماضي، وباجتهاد ودأب نادرين، مكتفياً بالسعادة الحقيقية التي تمنحه إياها عملية الخلق الصعبة التي أدمنتها يداه، وباتت جزءاً من حياته وكيانه.

لقد كرس كامل تجربته الفنية المتفردة، ليس في التشكيل السوري فحسب، وإنما العربي والعالمي، لموضوعات شعبية تراثية أصيلة وشفيفة، تموج بها ذاكرته البصرية، وتهفو إليها روحه العاشقة للقديم الجميل، فيقوم بسكبها في توضعات أشكاله الخشبية المقصوصة والملصوقة بدقة، بغية امتلاك هذا العالم الحنون الهارب من الروح وبها، بين ثنايا الأيام.

من أجل هذا، يشكل الفن الذي يمارسه الفنان العشا، وسيلة ممتازة له، للتخفيف من فيض النفس وامتلائها، كلما هاجت به الذكرى، وتوقدت مجامر الحنين، إلى الزمن الجميل الهارب من العمر وبه!!

دمشق ـ د. محمود شاهين