نقلت جرائدنا ومواقعنا الإلكترونية نص لقاء مع الروائي الأميركي نورمان ميلر (توفي بمستشفى في نيويورك السبت 10 نوفمبر) أجراه الروائي الاسكتلندي أندرو أوهاجان، كانت نشرته (باريس ريفيو) في عدد من هذا الصيف، تحدثا فيه عن أحدث روايات ميلر (القصر في الغابة) وعن آرائه في شخصيات عصره ممن وضع عنهم كتباً مثيرة للجدل.
وفي هذا اللقاء سأل أوهاجان ميلر عن حياته بعد الموت، بما أنه مؤمن بالتناسخ، فعلى أي صورة ستكون حياته بعد موته؟
أجاب ميلر:(حسناً، أنا في انتظار ما سيأتي. أنا في غرفة الانتظار. وأخيرا نودي على اسمي، أذهب حيث يوجد ملاك للمراقبة. يقول: سيد ميلر، نحن سعداء جداً بلقائك. الأنباء الطيبة هي أنك على وشك عملية تناسخ. أقول: شكراً، فأنا لم أرغب أبداً في سلام أبدي.
يقول الملاك: طيب، لكن فيما بيننا، فهو ليس سلاماً أبدياً، بل على الأحرى محموم قليلاً. دعني أنظر ما أعددنا لك. دائماً نسأل الشخص: ماذا ترغب في أن تكونه بحياتك القادمة ؟ وأقول: طيب، أظن أنني أريد أن أكون رياضياً أسود. لا أهتم بالمكان الذي تضعني فيه، سأنال فرصي، لكن نعم، هذا ما أريد أن أكونه، رياضياً أسود.
يقول الملاك: اسمع سيد ميلر، لدينا طلب زائد على هذا القسم، الجميع يرغبون بأن يصيروا رياضيين سود في حيواتهم التالية. دعني أرى ما أعددناه لك. وهكذا يفتح الكتاب الكبير، ينظر ويقول، لقد حجزنا لك حياة صرصور، لكن ثمة أنباء طيبة: ستكون أسرع صرصور في البناية).
قلما تتطرق الحوارات المهنية التي يجريها الصحافيون إلى هذا النواحي المرحة، أو الجريئة، في حياة الأدباء والمفكرين والقادة النابغين، إلا أن لقاءات نادرة جرت بين عقلين جبارين متخاصمين (الروائي الإنجليزي ويلز مع ستالين) أو بين قائدين غامرا بقلب سفينة التاريخ (الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو مع ماوتسي تونغ).
أو بين مفكرين معاصرين كتبا عن بؤس العالم ونهايات القرن العشرين (بورديو مع غونتر غراس) أو بين أديبين متكافئين في المخاطرة الحياتية والأدبية (يفتشنكو مع كورتاثار) أو بين مهاجرين متصوفين (نعيمة مع جبران) أو بين فنانين سرقا عيني ميدوزا (انغمار برغمان مع وودي ألن)، نقلتنا إلى الجانب الثاني من الحياة، قريباً من حافة الفردوس، أمام نظر الملاك المراقب الذي ينتظر عباقرة الأرض كي يفرغوا من مجادلاتهم فيحولهم إلى صور مغايرة.
أجرى ميلر نفسه أكثر من 300 مقابلة، طبع أفضلها في كتاب (محادثات مع نورمان ميلر)، كشفت عن الجوانب (الطيبة) و(السيئة) في الشخصية النرجسية الأميركية المتناقضة التي يمثلها ميلر خير تمثيل.
وحين تلتقي شخصيتان مثل ميلر ومادونا، تنبعث من ثنايا حديثهما ثرثرات صاخبة كموسيقى الروك، أو تمتمات هادئة كأغاني البلوز، تتخللها انبثاقات يهودية كئيبة من طفولة حي بروكلين، ثم صعود مفاجئ محموم إلى قمة (الحلم الأميركي) .
وحتى وفاته كان نورمان ميلر يكتب 1500 كلمة في اليوم، وفي معظم أعماله تحدث عن أميركا التي يحبها جداً ولا يحبها على الإطلاق، كما يقول. بعد أربعة وثمانين عاماً من الجنون والفوضى، أصبح ميلر (ظاهرة) أميركية صماء تمشي على عكازين، ولا تكف عن الحديث.
جمع ميخائيل نعيمة أطراف حديثه مع جبران خليل جبران، أوائل عام 1931، في كتابه عن صاحب (النبي). وخلال الحديث عن مخطوطة (آلهة الأرض) يقول جبران لنعيمة: (أليس يا ميشا أننا كلما صورنا الجمال اقتربنا من الجمال، وكلما نظمنا الحق اتحدنا مع الحق؟ أم أنت تشاء أن تحتم الصمت على الفنانين والأدباء؟ والإفصاح عن مكنونات النفس حاجة من حاجات النفس).
يجيب نعيمة :(لا بد للنفس من أن تشع بمكنوناتها، ومن تلقاء ذاتها، لكننا حينما نحاول تصوير تلك المكنونات للناس نشوهها وننقلها إلى غير حالها. فإما نزيد فيها أو ننقص منها).
ليت الأدباء العرب يفصحون عن مكنوناتهم حين يلتقون ويتحاورون، زادوا فيها أم أنقصوا منها، فنحن لا ندري أين اندثرت أحاديث مجالسهم، ولا نعلم بما دار في لقاء أحمد شوقي مع محمد عبد الوهاب، و نجيب محفوظ مع أم كلثوم، والرصافي مع الزهاوي، بل لماذا نغفل حتى اليوم عن تدوين الحوارات الأخيرة لأولئك الذاهبين إلى ممالك الحياة الثانية قبل انطفاء مشاعل أبصارهم.
وقف ميخائيل نعيمة قرب سرير جبران في مستشفى القديس فنسنت بنيويورك، فسمع حشرجة الموت تتلجلج في حنجرة صديقه المحتضر، فكتب يقول: (ألا تباركت حياة تلتقي الآزال والآباد في لحظة منها. فيندمج النقيض بالنقيض، وتستوي الأضداد كالأنداد).
توفي نورمان ميلر في مستشفى جبل سيناء بنيويورك، وانقضت بانقضاء حشرجة (نبي) مانهاتن حياة من ملايين الكلمات الساخطة. لم ينتظر الشيطان الذي وكل ميلر إليه رواية طفولة هتلر في أحدث كتبه النقطة الأخيرة للحوار الصامت في غرفة المستشفى، فارتفع بالروح الملعونة بين ناطحات السحاب، قبل أن ينتشر خبر الموت على مواقع الإنترنيت.
وهنا لحق به الملاك واختطف الروائي من مخالبه.
طور ميلر نوعاً من الكتابة الروائية المخلوطة بالحقيقة الصحافية factiَُ جربه في (أغنية الجلاد) عن القاتل غليمور، و(جيوش الليل) عن حرب فيتنام، وفي أفضل كتبه عن شخصيات عصره من الممثلين والملاكمين والأدباء والفنانين.
قال ميلر في الحوار الذي بدأنا به هذا المقال، إنه لم يكن يحتاج إلا لنسبة خمسة بالمئة من معرفة الشخصيات التي كتب عنها كي يتحكم بحياتها. لهذا فهو لم يقلق بشأن شخصيات عصره الذين زاحموه وخاصموه، إذ كانوا أشخاصاً بلا جذور، ناساً مروا بأزمات هوية، أو تبدلات هوية.
في النهاية، استبقى ميلر لنفسه التي سترحل إلى الحياة الثانية نسبة الخمسة والسبعين الباقية من المعرفة، يسلح بها شخصيته التي ستُعطى حياة صرصور في أكبر بنايات أميركا .