بعيداً عن التوغل فيما ذهبت إليه بعض المفاهيم التروتسكية بحدية تطرفها لقبول كل شيء دفعة واحدة أو لاشيء على الإطلاق... وقريباً من المفاهيم السائدة عن وجود الشيطان في التفاصيل.. ثمة ظاهرة بدأت تترسخ في مجالات شتى من حياتنا اليومية عامة.
ومن ممارساتنا الثقافية خاصة، تقوم على أساس الأخذ من كل شيء بطرف، أو معرفة شيء عن كل شيء بدلاً من معرفة كل الأشياء عن الشيء المراد تناوله أو بحثه.. وعلى هذا الأساس تتحدد سعة إطلاع المثقفين ودرجة ثقافتهم، كماً وليس نوعاً، في تسطح مذرٍ وبساطة لا تتقارب مع الممتنع بقدر تقاربها من الزيف والبهرجة والاستعراض « البرستيج» ولا تتقاطع مع الجوهر بقدر تشابكها مع المظهر..
وللأسف الاستخدام الخاطئ للانترنت، نبع المعرفة الجديد، رسخ هذه الظاهرة، ومنح هؤلاء المدعين عناوين متعددة ومختصرات كثيرة عن كل شيء، وبسرعة لا يحتاج فيها المرء إلا لذاكرة قوية كي يتحدث في طقوس غزل صوف التباهي عن سعة إطلاعه وثقافته دون حساب للوقت الثمين الذي يحتاجه أي باحث لإدراك بعض الشيء عن أي شيء..
ولم يتوقف الأمر على الشبكة العنكبوتية، فالصحف بتعاملها الساذج مع اختيار الصور أحياناً، أو اختزالها للنص المرافق للصورة لدرجة المساس بجوهره أحياناً أخرى، وبتفضيلهاـ أي الصحف ـ الدائم للإعلانات على حساب أي مادة، خبرية غير صالحة للتأجيل كانت أم ثقافية ترتقي بوجودها ... ساهمت أيضاً في ترسيخ هذه الظاهرة.
وليس في مواضيع دون أخرى بل بعمومية عمياء حتى في المجالات التي تحارب الشياطين وتنفتح على التفاصيل، ونلحظ ذلك في الصفحات المتخصصة بالكتب مثلاً، التي عليها أن تناقش الكتاب وتفنده من جهة أو تطرحه ضمن قراءة نقدية من جهة ثانية، نراها تفرد صفحات وصفحات فقط للجديد من الكتب وأسماء مؤلفيها وكم صفحة تحتوي وماذا في داخلها من عناوين ومحاور..
وبذلك تقدم عبر «شيء عن كل شيء» مادة سهلة لمدعي القراءة تغذي ثرثراتهم بالجديد فقط، أم المفيد البعيد عن النقد والبحث والإضافة، فهو مجرد إشارات للمستجدين من القراء كي يتعرفوا على ماركيز أو كويلو..
والأخطر أن ثمة أسلوباً كتابياً أو هذياناً ذهنياً، أكان تحت مسمى شعر أو نثر، يخلط كل الأجناس والمدارس، والواقعي بالمتخيل، والدلالي بالمجازي و.. و.. يتحدث عن كل شيء ولا يقدم شيئاً، ولا يعلق في ذاكرة القارئ بعد الانتهاء مما قرأ إلا بعض المفردات أو الصور التي تزول سريعاً..
وهذا الأسلوب الذي لا يتعدى في حقيقته أكثر من مجرد تدريب على الكتابة، يبحث في أروقة النقد عن مسارب في الحداثة أو ما بعدها في ظل« ديماغوجية» لا يغربلها على ما يبدو غربال زماننا الذي لم يغب عنه المنطق وحسب، بل حتى مقولة «لا يصح إلا الصحيح».
هذا الأسلوب يساهم أيضاً بشكل كبير في ضبابية الصورة والابتعاد عن التفاصيل وحتى عن الشيطان لأنه ـ أي الشيطان ـ لا يستطيع فهم تلك الشذرات المتعالقة المتقاطعة المتداخلة المتناثرة التي تحكي عن كل شيء ولا تقدم شيئاً.. لا حبكة لقصة، ولا رؤية لقصيدة ولا دراسة لنظرية ولا تطور لمسيرة شخصية ، ولا .. ولا .. ولا حتى مقاطع مما بات يسمى بـ « قصيدة النثر».
والمهزلة أن ثمة كتباً تنشر أيضاً ويكتب على غلافها «شعر فلان» وتقام لها طقوس التواقيع في المؤسسات الثقافية والمعارض والمحافل وأمام كاميرات التلفزيونات.. ليس هذا وحسب، بل تكتب كل الصحف شيئاً عن هذا اللاشيء.