يعود علاء الدين الأسواني في روايته الثانية «شيكاجو» ليرسخ قدمه بقوة في عالم الرواية العربية، ويختار هذه المرة أجواء جديدة، وعوالم نفسية مكتنزة للشخصيات، بأبعادها المختلفة، فتضعنا الرواية أمام صراعاتها المعلنة والمستترة، وتستجيب اللغة الروائية التي تحاكي الواقع بديناميته، وتعدّد مساراته، للقدرة التعبيرية عن اللحظات المفصلية في حياة الشخصيات، وتفاعلها الحي مع عناصر الواقع.

ويبدو مبدع النص متمكناً من أدواته، وهو يدير هذا العدد الكبير من الشخصيات، ويصنع مصائرها من موقع السارد العليم، وبواسطة السرد، أو الحوار، أو المونولوج، ويبرع، خاصة، في وصف الشخصية وصفاً (مورفولوجيا)، أو تحليلها تحليلاً نفسياً معمّقاً.

وعلى سبيل المثال فإن شخصية (صفوت شاكر)، المستشار الأمني في السفارة المصرية بالولايات المتحدة الأميركية، من الشخصيات التي اشتغل عليها الكاتب، بدقة، فقدّمها نموذجاً فذّاً لزبانية السلطة، الذين يجتهدون في تسخير مواهبهم الشيطانية لتكريس سطوة النظام الحاكم، وإسكات الأصوات المعارضة، وتطويق كل محاولة لكشف سوءات النظام، حتى في بلد يتبجّح بأنه حارس للديمقراطية والحرية في كل بقاع الأرض.

إن هذا الرسم المتقن للشخصية، داخلاً وخارجاً، يحيل إلى نوع من المماهاة التي يتخيلها القارئ مع هذه الشخصية، أو تلك، بحسب خبرته، وثقافته، ولربما أعطى للعمل، فضلاً عن عناصره الفنية الأخرى، قيمة إضافية، وعموماً، فقد كانت شخصيات الرواية جميعها، تنتهي إلى أزمة مع ذاتها، أو مع الآخر، وإذا علمنا أنها مصرية، وفي مرحلة اختبار للتعايش مع مجتمع غريب، أدركنا العبثية التي تتحصل شعورياً، كثمرة لهذا التلاقي غير الحميد بين عالمين، يتحصّن كل منهما بثقافته، وخصوصيته.

الدكتور (صلاح)، وبعد ثلاثين سنة زواج من (كريس)، يفقد القدرة على التواصل معها، دون أن يكون هناك عائق مرضي أو نحوه، يقرر الانفصال عنها، والعودة بفكره، وخياله إلى حبيبته (زينب) التي تركها في القاهرة مع ذكريات لا تنسى عن الفترة الناصرية، وما سادها من أحلام فردية، وقومية، فيلجأ إلى العزلة، واستعادة تلك الأيام، بصورة طقوس يؤدّيها في اللباس، والاستماع إلى أغاني أم كلثوم، ومهاتفة أصدقاء الأمس.

(ناجي) الثائر، ذو الأفكار اليسارية، المطلوب من قبل الأجهزة الأمنية المصرية، يخفق في إقامة علاقة حب دائمة مع (ويندي) اليهودية، ويخيل إليه في لحظة توهج عاطفي، أنه قادر، وحبيبته، على تجاوز حاجز العداوة التاريخية، والدينية الذي يفصل بينهما، حتى إذا ما تعرّض إلى أزمة بسبب مواقفه المعارضة للنظام، ترك لتداعيات الأزمة، ولردّ الفعل المستمدّ من اللاشعور، وعقدة الاضطهاد، ونفي الآخر، أن يكون صوتها أعلى من تلك العلاقة العاطفية.

(شيماء)، الفتاة المتفوقة، ذات الانتماء الديني المحافظ، المتمسكة بالعادات والتقاليد، تتورّط عاطفياً مع صديق الدراسة (طارق)، الذي لا يختلف عنها كثيراً في خلفيته الفكرية، والاجتماعية، ويسوّغان لنفسيهما ما يقومان به من ممارسة جنسية، بتأويل النص الديني تأويلاً رغائبياً، على خلفية المحيط، ونظرته التحررية للجنس، وحين يخيّل إليها أنها قادرة على محو آثار الغلطة التي لا يغفرها مجتمعها المحافظ إلاّ بالزواج، تفاجأ بموقف (طارق) الرافض لهذا الحل، فلا تجد بدّاً من إسقاط ثمرة هذه العلاقة المحرّمة، منتظرة مصيرها المجهول.

كل الشخصيات إذن، تعاني من الهزيمة الداخلية، أو من التمزّق النفسي بين الماضي والحاضر، المنتصر الوحيد من بينها هو (صفوت شاكر)، ضابط الأمن، ذو التاريخ العريق في تعذيب المعتقلين، وصاحب الطرق المبتكرة في انتزاع الاعترافات منهم، الطامح إلى كرسي الوزارة، الذي ينجح في إثبات جدارته بالتهيئة، والإعداد المتقن لزيارة الرئيس إلى العاصمة الأميركية، فهو لا يكتفي بتشديد قبضته على الجالية المصرية في أميركا، بواسطة عميله (أحمد دنانه) فحسب، بل ينسّق مع الأجهزة الأمنية الأميركية؛

لشلّ حركة المعارضة المصرية، ومنعها من إلقاء بيان التنديد بالنظام، وفضح ممارساته أمام الصحافة العالمية. لماذا هذه الرؤية المتشائمة في الرواية ؟ أهو الواقع عندما يكون أسود إلى ما لانهاية ؟ أم هي الإحباطات المتوالية فردياً وقومياً التي لا تترك فرصة وحيدة للأمل؟ ربما كانت نقطة التفاؤل الوحيدة في الرواية ممثّلة بهذه الصداقة التي تقوم بين (كرم) القبطي، و(ناجي) المسلم، كرمز للوحدة الوطنية المصرية.

لاسيما أن هذه الصداقة تأتي بعد تصحيح للمفاهيم المغلوطة حول العداء بين المسلمين والأقباط، وإدراك الرجلين أن الأمة المصرية بجناحيها المسلم والمسيحي، ضحية نظام قمعي لا عقلاني، لا يتورع عن لعب الورقة الطائفية لضمان بقائه. والأهم من ذلك أن هذه الصداقة بين (كرم) و(ناجي)، تحظى بمؤازرة الأميركي (جراهام)، الذي يمثّل الضمير الحي للشعب الأميركي، حيث تغدو العلاقة بين الثلاثة نموذجاً للعولمة الإنسانية في تساميها فوق العصبيات الضيّقة، ومقاومتها للإرهاب السياسي، والعقائدي، والأممي.

وعلى الرغم من أن تخطيط الأصدقاء الثلاثة يُمنى بالفشل؛ نتيجة جبن الدكتور (صلاح) في اللحظة الأخيرة، وتخاذله عن إلقاء البيان الذي كان من الممكن أن يسبب إحراجاً شديداً للنظام المصري، إلا أن مجرّد الخطوة باتجاه مقارعة السلطة الغاشمة، بغضّ النظر عن النجاح، أو الفشل، يعدّ، في الرواية، موقفاً متفائلاً، يحمل الكثير من الدلالة. إن علاء الدين الأسواني لم يشأ أن يزيّف الواقع، في رسمه لشخصيات الرواية، فلا يزال الخوف من السلطة، وكلابها يملأ جوف الشعب، ولا تزال أمام المناضلين مسافات طويلة من الكفاح المضني؛ للوصول بالمجتمع إلى الديمقراطية المنشودة .

إن الموضوعة الأساسية في رواية «شيكاغو» ليست الدعاية لنمط المعيشة الأميركي، أو تبخيس النمط المصري، وإنما هي التصوير الواقعي والحيّ لثقافتين، يكمن الاختلاف بينهما في طبيعة نظامهما السياسي والاجتماعي، وأثره في تمتع المواطن بالحدّ الأدنى من حقوقه المدنية، أو حرمانه منها، وما يعقب ذلك من استواء أو تشويه نفسي، وعقلي، وسلوكي.

عدنان كزارة