لطالما انطبع مفهومنا للكرسي كمكان لراحة الجسد البشري مع ثبات زماني وحركي يؤطر ذلك الجسد في مكان محدد العوالم. ولكن عندما يرسم الفنان مجموعة من الكراسي ويخصص لها شكلاً مختلفاً في كل لوحة من لوحاته يعني أنه يريد صياغة العالم بشكل خاص عبر تراص هذه الكراسي فيرى مثلاً الأشخاص التي اجتمعت عليها والتي فكر أن يرسمها في لحظات معينة.
ومن هنا فإن لوحات الفنان وليد المصري تعبر عن حصيلة الأعمال التي قدمها خلال مسيرته الفنية بمفاهيم كثيرة للقراءات المتعددة عن الكراسي حيث أن مفهومه للكراسي يتراكم في مخيلته ويتخمر حتى يظهر بشكل مختلف عن رؤية الآخرين.
يعتمد الفنان وليد تقنيتين في رسم لوحاته: الأولى تتمثل في محورة مركز الكراسي من الداخل بحيث يخال للناظر أن المنظور يرتسم من الداخل إلى الخارج، والثانية تجعل من ذلك المحور قادماً من الخارج.
وهنا يبدو أن أهم ما يميز توزع الكراسي في فضاء اللوحات جميعها هو تلك النقطة الصفراء التي نراها إما على طرف الكرسي أو في أسفلها -بحيث تبدو كاللطخة الصفراء في العين البشرية ـ وهي تشد الناظر إلى داخل اللوحة دون أن يتعرف على ماهيتها أو دلالاتها. عبر تلك اللطخة الصفراء تتكون لدى المشاهد حالة داخلية توسع أفق استقبال اللوحة لديه بحيث يتفاعل بشكل أفضل مع الشيء المرسوم تبعاً للمنظور الذي يشاهد اللوحة منه.
إن وقفة تأملية يفكر الناظر بتكرار الكراسي في اللوحات، الذي لا يبغي الفنان منه أن يجد حلا فنيا للوحاته بل يترك للناظرين لها إمكانية التحليق في أبعاد ذلك التوزع الطريف للكراسي على اختلاف أشكالها.
إذا كان التكرار يعني الاختلاف حسب نظرية الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز فإن التكرار يعتبر السمة التي تميز لوحات الفنان وليد المصري وهو بهذا التكرار يريد أن يوقظ أشياء فينا ويطرح أسئلة علينا بخصوص هذا الشيء الكرسي حيث أنه يعبر عن تأطير الجسد البشري ويوحي للإنسان بحالة معينة من حالات السكون.
و في هذا السياق تتوقفنا إشكالية أخرى تنطوي على توزع تلك الكراسي المتناثرة تتمثل في قضية الثبات التي يوحي بها الكرسي عموماً إلا أن لوحات الفنان وليد المصري لا تعرض لنا تلك الكراسي بشكل عرضي بل إن الفنان يعبر عن حالة الدوران والحركة الدائمة التي يقوم بها الإنسان في تموضعه على الكرسي.
وهنا نتساءل: ألا تحمل هذه الكراسي حالة وجود بشري موحى له بشكل أو بآخر ؟ لا شك أن هذا التوزع يحمل في طياته مسرحة لتوزع الكرسي في فضاء اللوحة، ذلك الغرض الذي يدخل في تفاصيل حياتنا اليومية حيث أننا نستعمله يومياً في أماكن عديدة.
اضافة إلى ذلك يوحي الكرسي لكثير من الأشخاص بالمركز أو السلطة بحيث أن تلك الكراسي (الشاغرة) التي تتعلق بلطخة صفراء ما قد تعبر عن مراكز نفوذ لأشخاص ينتظرون نقاطا صفراء ما أو مراحل معينة كي يتبوأ بعض المراكز.
في فضاء تلك اللوحات التي تتراقص فيها الكراسي من لوحة لأخرى لا يبدو الكرسي المرسوم مشابهاً للواقع وفقاً للشكل الذي نعرفه عليه فاللوحات لا تعبر عن رسم واقعي منقول وإنما هناك حرفية عالية في تطويع شكل الكرسي كما يرتسم للفنان في مخيلته.
وهكذا فهو قد أخذ الأحرف الأولى للكرسي والشكل الخارجي ليجنح به في مخيلته محملاً إياه أبعاداً أخرى تتعلق بالحياة وبنظرة الفنان إلى العالم. يبدو أن مشروع الفنان الأساسي هو تكرار الكرسي العنصر البسيط هذا التكرار يؤدي إلى الإهمال نتيجة اعتياد الناظر عليه وهكذا فان الناظر سيرى شيئا آخر قد يدفعه إلى ربطه بأشياء تمر على ذاكرته أو تشكل جزءاً من حياته.
وليد المصري (من مواليد 1979) تخرج من كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 2005. شارك في عدة معارض فنية جماعية في مدن عديدة في العالم مثل دمشق، بيروت، عمان، روما، برشلونة ، طهران - اسطنبول وله مشاركات في ورشات عمل فنية مع ثلة من الفنان المحترفين
باريس ـ منتجب صقر
