جوليان (عروة كلثوم) أو جلال الدين كما يلّقب نفسه، شاب فرنسي، تعلّم العربية، واعتنق الإسلام حين قدم إلى دمشق قبل ستة أشهر من أجل إصلاح سجادة دمشقية عتيقة عند محلّ التاجر الشامي يعقوب، أبو يوسف (عروة العربي) في أحد أسواق المدينة القديمة.
وعلى إثر ذلك نشأت بين الاثنين علاقة ملتبسة وغامضة يسودها فضول جوليان واستهتار يعقوب إلى أن تنكشف الحقيقة حول سر هذه السجادة وتاريخها المليء بالمفاجآت الذي كان قد بدأ منذ زمن طويل، حين زارت أم جوليان المستشرقة الفرنسية وعاشقة السجاد الشرقي دمشق في شبابها.
وتعرّفت إلى والد يعقوب صاحب محل السجاد، وعاشت معه قصة حب أثمرت عن جوليان الأخ غير الشرعي ليعقوب والوريث الحالي للأب المتوفى، الشقيق الذي وُلد وترعرع في فرنسا كأي مواطن آخر دون أن يعلم هو أو أي كان بأمره، إلى أن صارحته أمه بحقيقته قبيل وفاتها بالحقيقة، فغادر موطنه مدفوعا برغبة البحث عن أصوله، وانتهى به الأمر إلى الارتماء في أحضان إحدى الجماعات التكفيرية وتفجير نفسه.
هذه هي باختصار تفاصيل الحكاية التي قامت عليها مسرحية «بساط أحمدي» وهي المسرحية السابعة في قائمة أعمال فرقة الرصيف، وقد عُرضت مؤخرا على مسرح القباني بدمشق من تأليف وإخراج مدير الفرقة حكيم مرزوقي، وقد لا يكون المرزوقي هو الأول الذي تناول موضوع التطرف الديني والتفجيرات الانتحارية.
فقد قامت الدراما العربية والعالمية على اختلاف أجناسها بالتطرق إلى هذا الموضوع الشائك والساخن عبر العديد من الأعمال الأدبية والمتلفزة والسينمائية، لكن الجديد في هذه التجربة هو معاينة الظاهرة من منظور نموذج أوروبي اعتنق الإسلام عبر قصة متخيلة تربط أشخاصاً ينتمون إلى جيلين مختلفين وثقافتين متباينتين.
وابتداء من العنوان يوحي لنا المخرج بمكاشفة صريحة سوف ينسجها العرض، ثم لا تلبث الأحداث أن تؤكد خطوط هذه المكاشفة بعد سلسلة من الحوارات يتجاذبها الشقيقان وتجلي ملابسات العلاقة بينهما التي بدت غامضة في البداية، لكن المكاشفة الأخطر تحدث في نهاية العرض حين يكتشف يعقوب أن شقيقه يضع حزاما ناسفا ليفجّر به مجموعة السياح الأجانب التي سوف تزور المحل عما قريب.
وفي السجال المتوتر بين طرفي المواجهة يحاول جوليان أن يقنع شقيقه بمشاركته بنيل شرف الشهادة والجنة، فيطلق العرض مقولته الأخيرة على لسان يعقوب حين يتساءل: لماذا علينا أن نموت في سبيل الله، بدل أن نحيا جميعا في سبيله؟.
تحيلنا الملامح الخارجية والتركيب النفسي للشخصيتين إلى ذهنيتين مختلفتين.. ذهنية التاجر التي يمثّلها يعقوب، وهي ذهنية منفتحة على الجميع في حدود مصالحها، فهو يرتدي زيا عصريا، ويجيد المجاملات، ويرتبط بعلاقات تجارية مع الأجانب.
ومع ذلك فهو لا يكترث بداية بذلك الغريب الذي يبدو فقيرا، وحين يخبره بأنه شقيقه، يستنكر الأمر جملة وتفصيلا، لأن ذلك يعني أنه سوف يكون شريكه في ميراث الأب، لكن ما إن يعلم أن شقيقه ثري ولديه أخت جميلة حتى يرحّب به، ويشركه في أعمال المحلّ، ويحضّر الأوراق القانونية لإثبات الأخوة، أما جوليان الذي يمثّل الذهنية التكفيرية فهو يرتدي العباءة والقلنسوة.
ويرى في كل مسلم أخاً يجب هدايته إلى الطريق القويم بما في ذلك شقيقه، ويرى في كل إنسان خارج عن سياقاته الفكرية كافرا يجب إبادته، لذلك فهو لا يكترث أبدا لخبر وفاة أمه الذي نقلته له شقيقته عبر الهاتف، ونجده لا يتحدث إلا في شؤون الدعوة عبر مختلف علاقاته التي نطلّ عليها من خلال اتصالاته الهاتفية واستخدامه للإنترنت.
وفي هذا السياق ركز المرزوقي جلّ اهتمامه على بناء الشخصيات وتماسك الحوارات التي تخللتها جملة من المونولوجات كانت غايتها تشعيب الحكاية، وسهولة الحركة في الزمن ذهابا وإيابا، إلى جانب الإفصاح عن الحالات الجوانية التي خبرتها شخوصه.
أيضا اعتنى المرزوقي بلغة النص فجعل يعقوب يتحدث باللهجة الشامية المحكية، بينما جعل جوليان ينطق بلغة وسطية ما بين العامية والفصحى لا تخلو من العثرات، تخللتها العديد من العبارات والجمل الفرنسية، وكعادته أخرج العرض بأسلوب المسرح الفقير.
حيث كان الفضاء خال إلا من طاولة في الزاوية وستارة بيضاء انعكست عليها بشكل ضوئي سجادة المرزوقي أو السجادة الدمشقية العتيقة التي ما لبثت على وقع التفاصيل أن تحوّلت من عرض مسرحي إلى شخصية محورية تمرأت من خلال سيرتها صورة من صور العلاقة ما بين الذات والآخر على المستويين الإنساني والحضاري، صورة انتصرت لحق التعايش والاختلاف وحق الحياة في مقابل لغة الإلغاء والموت.
دمشق ـ تهامة الجندي