ينهض النصّ الإبداعي على بنية متخيّلة تحيل على مكان محدد بزمن ما، أو على أمكنة وأزمنة مختلفة، وهو في سبيل تحققه على النحو الأمثل، يسعى كاتبه إلى إيهام القارئ بواقعية ما يتناوله من شخوص وأحداث، كي يتفاعل معها فيعيد إنتاجها دلالياً وفق ذائقته الجمالية ووعيه بأهمية ما يطرحه هذا المنتج من قضايا ترتبط بحياته المعاشية.
أو بمشكل وجوده العام كنوع، والخاص كفرد ينتمي إلى تركيبة اجتماعية وثقافية معيّنة. وبالتالي فإن النصّ في سيرورة تشكّله الزمني سوف يختزن ذاكرة إنسانية ثرية بالقيم، وخبرات وتجارب لشعوب وثقافات قد لا يدرك منتج النصّ مصادرها، ولكنه إلى ذلك سيعبّر عنها من خلال هذه الذاكرة الفائضة بالرموز منذ آلاف السنين.
وعلى سبيل المثال فإنني لطالما تساءلت عن سبب إصرار شعوب المتوسّط وما بين النهرين على الاحتفال بالربيع، فجعلوا له عيداً، وعن مغزى تقديم الأمّهات في هذا العيد خليطاً من الحبوب المسلوقة المحلاّة، وإن كان هذا السلوك يرتبط بأعياد الخصب الأولى وعودة أدونيس أو تمّوز من رحلة الموت الشتائية التي تعود لأربعة آلاف عام، ثمّ ماذا عن طقسيات الصيف وأغاني الحصاد والحبّ والاحتفال بزواج الأبناء في نهاية الموسم؟
وهل لكلّ ذلك علاقة مباشرة بتلك النصوص التي قدّست الطبيعة ودعت إلى إحيائها في ظلّ قيم الخير والخيرات التي توارثناها؟
والقراءة على هذا النحو قد لا تتوقّف عند حدود علاقة الناس بالطبيعة، بالرغم من أهميتها، وإنما أيضاً في رصد السلوك الإنساني عبر صراع الخير مع الشرّ والطقسيات المختلفة التي مارستها هذه الشعوب لتبيان جوهر كلّ منهما ومن يمثّلهما سواء عبر الأداء التمثيلي أو السردي، وصولاً إلى النصّ الديني وما تركه في الذات من قيم تشحن الإنسان ليعزز سلوكياته الخيّرة ومواجهة قيم الباطل عبر آليات صراعية يديرها مبدع النصّ ببراعة.
وإذا كان الشعر قد حظي بموقع الصدارة في حقل الأدب بعد انفصاله واستقلاله كجنس أدبيّ عن عالم السرد المتمثّل في الأسطورة، إلاّ أنّه في عصرنا الراهن خسر موقعه هذا لصالح الرواية، التي تمكّنت من اجتذاب القارئ إليها، بما تقدّمه من عوالم جديدة تبتعد عن الفردية بمقدار، وتعيد للشأن الاجتماعي أهميته من خلال ما اجترحته من وسائل وأدوات سردية ساهمت في إقحام القارئ عالمها المتخيّل، ومن ثمّ دفعت به نحو التمثّل والتأويل.
الأمر الذي عزز لديه أهميته كفرد مهمّش سابقاً في المشاركة بصياغة النصّ الجديد. وهذه المسألة، أعني مسألة المشاركة، بالغة الأهمية، وربّما هي التي جعلت الرواية تتصدر لائحة الأجناس الأدبية بازدياد شعبيتها وتقدّمها بخطوات واثقة نحو السينما والتلفزيون فتحوز على بعد جماهيريّ أكبر بكثير مما عرفته أجناس الأدب المختلفة.
وفي هذا الصدد، فإن مشهد انتحار «نفيسة» في رائعة نجيب محفوظ «بداية ونهاية» ظلّ محفوراً بذاكرتي منذ أيام الطفولة المبكرة، بُعيد مشاهدتي الفيلم الذي مثّله كلّ من فريد شوقي وعمر الشريف وأمينة رزق.
وهذا الانتحار الخلاصي دفعني للتساؤل إن كان نجيب محفوظ كان يعي أبعاد «ظاهرة العنف المؤسس» لدى الشروع في كتابة الرواية، أم أنني كقارئ ذهبت إلى تأويل المشهد والدفع به نحو ثقافة العنف التي ما انفكّت تعيق تقدّم الإنسان؟
وفي صدد السينما أعتقد أنها من خلال بحثها الدائم عن الإثارة والتشويق، ساعدت إلى حدّ كبير على تطوّر الفنون الستة المعروفة، وبشكل خاص على تطوير الرواية باعتماد تقنياتها كالتقطيع المشهدي، والاقتراب من لغة السيناريو المكثفة، وتداخل الأزمنة، والتركيز على الجوانب الداخلية للشخصيات، وعلى كلّ حال، سيكون التأثير هنا متبادلاً.
إذ إن رؤية المخرج وتأويله الحكاية سينمائياً سيدفع بالكتّاب إلى تطوير تقنياتهم، ونتيجة لذلك فإنه ليس سراً إذا قلنا أن كثيراً من الكتّاب الروائيين سعوا لتقديم أعمالهم إلى السينما والتلفزيون بعد صعود نجم الدراما التلفزيونية، كما أن كثيراً من الروايات ساهمت في نجاح العديد من الأفلام السينمائية والأمثلة على ذلك كثيرة.
التأويل سيرتبط دائماً بما استجد من ثقافة إنسانية، وبالتالي فإن النقد بدوره سيتطور تطوّراً نوعياً، ولم يعد مقتصراً على تبيان المغزى أو شرح القصّة، وإنما بات علماً حقيقيّاً يُدرس، وتجربة كتابية متواصلة تستفيد من الدرس النقدي ومن معطيات ثقافية وفنية عربية وعالمية، وبالإضافة إلى ذلك هو إبداع كتابيّ من نوع خاص، يتجلّى في إمكانية إقامة بنية نصّية جديدة يمكن اعتبارها إعادة إنتاج للنصّ على نحو إبداعي، بالرغم من منهجيته الصارمة في حين.
وبالرغم من توجّهه العام في تقديم المعرفة العلمية بشؤون النصّ، ولا أظنّ أحداً يعارض فكرة إبداعية النصّ النقدي بالشكل الذي يكتبه الناقد السعودي محمد العباس على سبيل المثال.
ومن هنا، فإن المتابع اليوم للمشهد النقدي العربي، سيلحظ مقدار التطوّر الذي أصاب هذا الجنس الأدبي، من حيث التنظير أو التحليل والتأويل، وذلك على أيدي نخبة بارزة من الأكاديميين من مثل سعيد يقطين، حميد لحمداني، عبد الله الغذّامي، محمد مفتاح وغيرهم، الأمر الذي سيخلق ما يشبه الصدمة لمنتجي الإبداع أنفسهم، الذين في غالبيتهم لم يبذلوا أيّما جهد في الاطّلاع على الدرس النقدي وتوجّهاته البنائية واللسانية والثقافية.
الأمر الذي سيخلق ما يشبه الهوة المعرفية ما بين منتج النصّ وناقده، وغالباً ما نرى هؤلاء المبدعين مندهشين لدى قراءة أعمالهم نقدياً، وربّما عبّر الكثير منهم أن هذه الأفكار التي استنتجها الناقد لم تكن في مخيلته آن كتابته النصّ.
وبالتالي لن نعدم تصريحات كثيرة يطلقها شعراء أو روائيون كبار ضد النقد والنقّاد، بينما قسم آخر منهم، وهم الأكثرية سيلتزمون الصمت؛ صمتا مبالغ به في حين، وقسوة من بعض الكتابات الصحافية غير المتفهّمة لتوجّهات النقد العربي الجديد في حين آخر، مما يذكّر بأساليب محاربة القصيدة الجديدة في بداياتها.
ولكن إذا كانت القصيدة الجديدة قد أثبتت مصداقيتها بدأبها وإصرارها على تحقيق مشروعها الإنساني، فإن النقد الجديد بدوره يتّجه لإثبات ذاته كفاعلية فكرية وإبداعية ولاسيّما مع توفّر وسائل الانتشار عبر تقنيات الاتّصال الحديثة، والرغبة المتعطّشة للأجيال الجديدة للمساهمة في هذا الحيّز الذي كان إلى حين يُنظر إليه كحيّز نخبوي.
والدليل على ذلك، هذا الكم الهائل من المواقع الثقافية والحوارية التي باتت تتلمّس طريقها لإثبات ذاتها المهمّشة والدخول في ثقافة العالم من بوّابتها الواسعة والمساهمة تعميم قيم الخير والجمال دون إذن أو وصاية من أحد عليها.