أثبت التاريخ والواقع، أن مواد وخامات البيئة أقدر على الرد عليها والتأقلم معها، والتماهي فيها، وهي قبل هذا وذاك، أجدى من الناحية الاقتصادية، لأنها موجودة فيها ولا تحتاج إلى نقل.

على هذا الأساس، يجب عدم التفريط في استهلاك هذه المواد والخامات، لكي لا يختل التوازن البيئي فينعكس الأمر سلباً على الإنسان، وتالياً على كوكبه الأرضي عموماً.

لقد عاش الإنسان كل هذه السنوات الطوال من خيرات بيئته، وكان منسجماً ومتوافقاً معها، وبالإمكان اليوم، بقليل من التنظيم والدراسة، استمرار هذه الحالة، فيكتفي ذاتياً ولا يحتاج الآخر، إلا في عملية تبادل منفعي متكافئ وعادل، لكن كل إضافة جديدة يُحدثها الإنسان في بيئته، يجب أن تنسجم وتتأقلم معها، سواء كانت خدميّة أو فنيّة جمالية.

بمعنى آخر، يجب مراعاة الحاجة الماديّة البحتة للإنسان، وحاجاته الروحيّة والجماليّة، فهما يكملان بعضهما البعض، ومن الضروري أن يحملها المنتوج الإنساني، على اختلافه، بكثير من التوازن والتكافؤ، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.

كما يجب التأكيد على الموروث الحضاري للإنسان، والخصوصيّة المتفردة لهذا الموروث، لأنهما لم يأتيا من فراغ، وإنما من تراكمات جاءت من التفاعل العميق بين الإنسان وبيئته، ومن الخطأ الفادح، التضحية بأحدهما أو كليهما كونهما وجهان لعملة واحدة هي: الأصالة.

هذا الموروث تحديداً، هو النبع الذي يغذي شرايين ذاكرة الشعوب بالحياة والاستمرار، وتجفيفه أو قطعه، يعني بالضرورة جفاف هذه الشرايين وموت الذاكرة، وهذا ما تسعى إليه الأهداف الخبيثة لظاهرة العولمة الطامحة لجعل الإنسان منتجاً مستهلكاً بلا ذاكرة.

إن عملية تبني وتشجيع العمارة التراثية المنبثقة من البيئة وإنسانها، والملبية لحاجته الماديّة والروحيّة، وإحياء وإنعاش الحِرف والصناعات اليدويّة المرتبطة بهذه العمارة، خير وسيلة لإحياء روافد النبع الذي يغذي شرايين الذاكرة الشعبيّة، وتالياً إنعاش هذه الذاكرة وتوهجها بالحياة.