عادت نيويورك مؤخراً واكتشفت مجدداً الحياة السرية والكلمة المخفية للرسام الاسباني الراحل سلفادور دالي وذلك في أول مؤتمر يعقد خارج اسبانيا حول الأعمال المكتوبة الوافرة لكن المعروفة على نطاق ضيق التي كتبها أستاذ السريالية الكتالوني.« حياة سرية، كلمة مخفية: دالي ككاتب» هو عنوان سلسلة الحوارات والمداخلات التي قدمها على مدار يومين اثنا عشر خبيراً عالمياً في موضوع دالي في معهد سيرفانتيس في نيويورك، وهي مبادرة ليس لها سابقة سوى مؤتمر آخر مماثل عقد في برشلونة عام 2004 الماضي.
واختيار نيويورك من أجل التجربة الثانية من هذا النوع لم يكن معزولاً عن الأهمية التي أعطاها دالي الكاتب لمدينة ناطحات السحاب، التي نشر فيها عام 1942 لأول مرة سيرته الذاتية « الحياة السرية لسلفادور دالي»، التي تعتبر أكبر تركة في النثر لفنان كاداكيس، إذ تقول الفرنسية فريدريكي جوزيف لاوري وهي مؤلفة عدة مجلدات حول دالي الكاتب: «لقد كان في نيويورك حيث اكتشفنا دالي الكاتب الذي كان مجهولاً حتى ذلك الحين. قبل الوصول إلى نيويورك، عندما اندلعت في أوروبا الحرب العالمية الثانية، عاش في فرنسا وجميع نصوصه كانت تصحح بقلم صديقه أندريه بريتون».
لكن ذلك « لا يعني أن دالي الذي خطف أبصار العالم بأسره بكتاب ( الحياة السرية ) كان بمفرده» على حد قول هذه الخبيرة التي أوضحت أيضا أن النص المنشور باللغة الإنجليزية في نيويورك قبل 64 عاماً خلت« كان مترجماً عن الفرنسية، اللغة الأصلية التي كتب بها الكتاب الذي كان محرراً من قبل زوجته جالا « وعقبت بالقول إن» جالا كانت تقوم بذلك بصورة دائمة».
كما أبرزت جوزيف لاوري غزارة الكلمة والجرأة الروائية اللتان وسمتا الكتاب، الذي يتلاعب فيه دالي بصورة دائمة بما هو حقيقي وما هو متخيل مع سيرة ذاتية حقيقة وما هو منتج خيالي صرف.
كما ذكرت صحيفة «لا فانغوارديا» الاسبانية أن الخبيرة لم تغفل التأكيد على وجود «الأخطاء الإملائية» التي تغزو النص، رغم أنها اعتبرتها « حرية ابداعية»، الأمر الذي لم يشاطرها حوله الرأي مداخلون آخرون لتقديرهم أن دالي كان لديه مشكلات حقيقية مع اللغة هي أقرب إلى عسر القراءة.
وقال فيليث فانيس،بروفيسور تاريخ الفن في جامعة برشلونة المستقلة:« لست أدري إذا ما كان يعاني، كما يقولون، من عسر القراءة. لكن الأكيد هو أنه كان لديه مشكلات مع إدارة اللغة». وذكر فانيس أن دالي تلقى من السادة إلى الأحد عشر عاما من عمره دروسا في منزله « لأن عجزه عن الكتابة كان يمنعه من النجاح في صفه في المدرسة.
أي أنه كان قد بقي متسمرا في دراساته بسبب عدم بذل الحد الأدنى من الجهد». وأضاف البروفيسور: « فيما بعد كتب بلغات أربع، الكتالونية، الاسبانية، الفرنسية والانجليزية ، لكنه لم يقم بذلك بصورة صحيحة في أي منها، لكن ذلك العجز عن السيطرة على اللغة ربما سمح له بتطوير ملكة تخيل من نوع خاص».
بالنسبة للأميركي وليام جفيت . مفوض متحف دالي في سان بتسبيرغ ( ولاية فلوريدا)، فإن التركة الأدبية التي خلفها الفنان هي، في جميع الأحوال، مجرد تمهيد أو مقدمة لتركته التصويرية، التي سجلت في سجل فن الزخرفة الاسباني التقليدي. وأشار إلى أن « دالي كان رساماً للأحلام. الأمر الذي لا يجعله غريباً أيضا عندما يوصف بكاتب الأحلام».
عدم إمكانية الفصل بين أعمال دالي الأدبية والتصويرية تم التشديد عليها أيضا من قبل مدير معهد سيرفانتيس في نيويورك الكاتب إدواردو لاغو، الذي اعتبر أن «الجانب الأبرز في هذه الأعمال هو أنها تتمم صورته كفنان.
فلقد كان دالي فنان كلمة وصورة، وكان يستحيل الفصل بينهما»، على حد تعبير لاغو، الذي نظم المؤتمر بالتزامن مع معرض مفتوح في المركز حول رسومات أنجزها دالي خصيصا لطبعة كتابه« الحياة السرية»، واللذان ينظمان معا لأول مرة خارج اسبانيا أيضا.
وبحسب مونتسي أغير، مديرة مركز دراسات دالي التابع لمؤسسة غالا- سلفادور دالي، مالكة الرسومات، فإن النية معقودة على تكرار مبادرة نيويورك هذه كل عامين في مدن أخرى بهدف نشر البعد الأدبي الرائع للفنان لكن المعروف أقل بكثير من البعد التصويري.
إعداد: باسل أبو حمدة