يعد أدب الخيال العلمي من أهم الأجناس الأدبية المعاصرة وأوثقها ارتباطاً بحياة البشر، لارتباطه بشكل ونوعية الحياة في المستقبل نتيجة للتقدم العلمي والتكنولوجي المتسارع، وقد أطلق على هذا الأدب الكثير من المسميات، مثل أدب الأفكار، وأدب التنبؤ بالمستقبل، وأدب التغيير والأدب الذي يهتم بحال ومصير الجنس البشري.

ويمكن القول إننا نعيش اليوم في عصر أدب الخيال العلمي، ففي العصر الحالي توشك الحدود الفاصلة بين العلم والخيال أن تتلاشى بعد أن تحققت معظم تنبؤات الخيال العلمي وتحولت لواقع ملموس، كما إن هناك سباقاً هائلا بين العلماء، وكتاب الخيال العلمي حول أفكار وانجازات المستقبل في شتى المجالات. وفي هذا السياق التقت «البيان» القاص والروائي اللبناني الدكتور قاسم قاسم وكان هذا الحوار.

* تكتب رواية الخيال العلمي منذ فترة طويلة، من أين تستمد موضوعاتك؟

ـ إن أدب الخيال العلمي لم يأتِ من فراغ، وكل تجربة لهل أسبابها، فالواقع الذي انتمي إليه تسكنه الخرافة، وتاريخنا مكسور الجناح فقد غلبته الحروب وتوالت عليه الهزائم، وحكمته سلطات تمرست في الديكتاتورية، وإلغاء الآخر والحرية، والتعبير الحر الذي هو أساس تقدم المجتمعات، وفي ظل هذا الخضم، ولأسباب ذاتية وجدت نفسي متجهاً ناحية العلم أردف منه ما يحقق إنجازاً ما.

إن على صعيد الخيال، أو اللغة، أو الحرية، ولذا انجذبت للتجارب العلمية، وصار هاجسي الطيران، وابتكار شيء جديد، وبدل ذلك ولدت الكتابة العلمية.

* الا ترى أن رواية الخيال العلمي هي خارج الواقع العربي؟

ـ الأدب بشكل عام هو تكذيب الواقع، وهو إعادة ابتكار ترجمة جديدة، وتالياً في العلم القمر على سبيل المثال، أو الفضاء الآخر لم يعد مكاناً خيالياً، فبعد سنوات ستقام فنادق خمس نجوم، وسيرتاد العالم هذا المعلم السياحي، وسيصبح محطة للانطلاق إلى عوالم أخرى..إن الحياة لا تقاس بالأيام والسنوات..إنها الزمن الممتد والذي يعجز الحلم عن الإحاطة به.

* كتبت الآن أكثر من رواية في مجال الخيال العلمي، هل ترى أن اللغة ساعدتك على ذلك؟

ـ اللغة بنت البيئة، والكتابة الأدبية من النوع الواقعي، أو خلافه، تعتمد على قدرة المؤلف من ناحية الذاكرة واللغة والنبض، أما الكتابة العلمية البعيدة جداً عن الذاكرة والنبض فلها صعوبات عديدة، أولاً التمرين والقراءة، حتى يحس المؤلف بأن ما يكتبه ينبع من داخله عندها ينساب القلم ساكبا حبره على الورق، ولقد وجدت أمامي حفراً عديدةً، لأن الكتابة برأيي تعتمد على المصالحة بين ما يفكر فيه وما يتخيله المرء، بعدها تصبح الأمور سهلةً.

* هل يمكن إعطاء صورة عن هذا النوع الأدبي، وما مدى انتشاره في العالم العربي؟

ـ لا شك أن مصر هي السباقة، وعموماً الأسماء معدودة في هذا المجال، وقد عقد لأول مرة مؤتمر لكتاب الخيال العلمي في سوريا دعا إليه الصديق الدكتور طالب عمران، وستصدر مقرراته في كتاب قريباً.أما في لبنان فلم أوفق بزميل أو زميلة في هذا الميدان.

وما زالت مقارنتي أو نقدي خارج السياق الموضوعي لعدم وجود كاتب آخر، ومع ذلك فقد أفردت جريدة النهار صفحة بكاملها عن الكتاب العالميين، ولكنها لم تأتِ على ذكر العرب إلا لماماً، ولم تمر حتى على الأراضي اللبنانية.

* وما تصنيفك لهذه الأعمال الروائية أي الخيال العلمي في سياق الرواية بشكل عام؟

ـ الرواية فن يحمل في داخله عناصر التجديد، وكلمة novel تؤكد هذا المفهوم، وان الفن الروائي لا يعرف الحدود، والخيال العلمي ليس مجرد محض خيال، بل هو تجربة جديدة استشراقية جعلت من أدباء كثيرين يبتعدون عنها.

ويكتفون بظل الواقع والبقاء على السائد، ورواية الخيال العلمي تعكس روح العصر، وهي تستنفر قوى الإنسان وتحفزه نحو المستقبل، وهي مادة جديدة على عالمنا العربي، وتحتاج إلى وقت طويل لتوضيح هذا النوع بسبب انكماش المجتمع وخوفه من الانفتاح، واثبات طريق الحرية، واعتبار الإنسان قيمة بحد ذاته بغض النظر على لونه وجنسه وطائفته وحزبه.

* إلى أين يتجه قاسم قاسم في عالم الكتابة؟

ـ إن الحياة ليست سوى حلم كبير، والكتابة هي السير على طريق هذا الحلم، وهي المصالحة مع الذات أولاً ثم التحليق في موضوعات تأخذ كاتبها إلى مسارات لا يعرف إلى أين تؤدي به، إلى فضاء مفتوح، والكتابة هي رحلة إلى النفاذ من هذه الكوة، وأنا أسكن في جرم صغير، ولكن خيالي يسبح بي إلى أين لا أعرف، فمنذ صغري وأنا أحب أن تلامس قدماي الأرض، وعندما أنام أحلق في الوديان والسهول، وأظل وسأبقى محاولا السفر.

بيروت ـ سامي نيال