تعرض مسرحية الشحاذ أو موت زاند على خشبة مسرح الكوللين ضمن فعاليات مهرجان الخريف في باريس حتى نهاية شهر ديسمبر من إخراج المخرج الفرنسي برنار سوبل ونص الكاتب الروسي يوري أوليكا الذي كتبه عام 1972 وعرض في مسرح الفن في موسكو.

تروي المسرحية قصة كاتب شاب يدعى زاند الذي أنهى كتابة مسرحية في يوم عيد ميلاده الثاني والثلاثين بعد أن قضى أعواما طويلة وهو يتمرس على الكتابة المسرحية والأدبية متأثرا بالروائي الفرنسي أونوريه بلزاك. تعالج مسرحيته حياة شاب يدعى زاند وشخص آخر اسمه فيدور يقضي وقته بالتسول والتسكع على أرصفة موسكو.

يدعي هذا الشحاذ أنه الأخ الشرعي لزاند ويبرز ورقة تثبت ذلك أملا بالحصول على نصيبه من الميراث. وبهذه الأحداث التي في المشهد الأول يتكلم الكاتب الشاب زاند عن مسرحيته لأبيه وأمه، ثم نرى الشخصيات تؤدي أدوارها على الخشبة. وهكذا فإن زاند يؤدي الدور الذي كتبه لنفسه وينتقل المتفرجون من الصيغة السردية للمسرحية إلى متابعة الأحداث نفسها على الخشبة.

للوهلة الأولى تبدو القصة بسيطة لكن إخراجها المميز يضفي عليها طابعا ديناميكيا حيث إن المشاهد تجري على خشبة دائرية يتوضع عليها ديكور لبيت تلك العائلة البرجوازية. تدور هذه الخشبة الدائرية في أغلب مشاهد العرض بحيث يدور الممثلون حتى يحافظوا على مكانهم في مقدمة الخشبة خصوصا في المشاهد الثنائية بينما يتعذر عليها فعل ذلك في المشاهد التي تحتاج لأربعة أو خمسة منهم.

يتخلل عملية الدوران تلك إسقاطات ضوئية تسلط على الممثلين من وقت لآخر بحيث تسمح مثلا بالإيحاء لفصل الخريف أو الشتاء. يراعي المخرج برنار سوبل في هذه المسرحية التقلبات التي يعيشها الكاتب الشاب زاند ويبدو أن حركة دوران الخشبة تعبر عن فوضى الأفكار التي تموج في داخله في مرحلة يعتقد أنها حاسمة في حياته ومسيرته الأدبية.

عبر هذه المسرحية يقوم المخرج بالتركيز على الأفكار الداخلية التي يفيض بها صدر الشباب الذين يجدون أنفسهم في منعطف حاسم من حياتهم وهنا فإن المتفرج يتابع مشاهد المسرحية وحواراتها كي يصل إلى ذروة الحبكة في نهاية المسرحية عندما يكتشف زاند أن امرأته كانت تخونه مع صديق حميم له.

وهكذا فإننا نتابع تطور الأفكار التي يبوح بها زاند طيلة العرض سواء فيما يتعلق بمشروعه الكتابي أو بغيرته نحو زوجته أو بالظهور المفاجئ للشحاذ الذي يدعي أنه أخوه. وبهذه التفاصيل المتعاقبة نشعر بأننا نتابع أحداثا متشابكة تتجانس مع بعضها البعض عبر شخصية زاند الذي يجمع يقيم علاقات مع باقي الشخصيات كأمه وأبيه والشحاذ وزوجته وعشيقها السابق فيدور.

يبدو أن الديكور هو أهم الشخصيات الرئيسية في المسرحية حيث إن دوران الخشبة يساهم في هندسة خروج ودخول الشخصيات للخشبة وتوزعهم في فضاءات ذلك البيت. هناك بعض اللوحات التي تتدلى من سقف الخشبة والتي يرسم عليها مشهد من الحياة اليومية في روسيا بحيث ترمز للحياة الراكدة التي سادت الفترة الستالينية.

وهنا نشير إلى أن تفكيك هذا الديكور في نهاية المسرحية ينسجم مع تفكك شخصية زاند عبر معرفة حقيقة ما يفكر به إضافة إلى اكتمال عناصر أخرى في المسرحية مثل ظهور شخصية الشحاذ. هذا التفكك يترافق مع لعبة الإضاءة والمقاطع السينمائية التي يعتمدها المخرج والتي تذكرنا بالسينما التعبيرية الألمانية التي تجتمع فيها عناصر كثيرة مثل الأشكال المجردة والفروقات اللونية البسيطة بين الإسقاطات والألوان الحية التي تسهم في إعطاء حركة خاصة ودفع إضافي لحركة الممثلين على الخشبة.

باريس ـ منتجب صقر