شكل التراجع في الإنتاج الثقافي العراقي خلال السنوات الثلاث الماضية نتيجة طبيعية للأحداث الجسام التي عصفت بالعراق، والتي كان أبرزها الاحتلال الأميركي للأرض وتلاعبه بفسيفساء مكونات المجتمع العراقي، ونجاحه في دفعها إلى حالة من العداء وصلت في بعض المحطات إلى الاحتراب..
كل هذا كان عامل انقسام في صفوف المثقف العراقي الذي وجد نفسه وبشكل مفاجئ في مواجهة قضايا لم تكن يوما جزءا مما هو مطروح أمامه من مهمات والذي كان القمع وخنق حرية التعبير هي ابرز سمات المهام التي عمل المثقف العراقي على مواجهتها خلال ثلاثة عقود من حكم الرئيس الراحل صدام حسين، لتتحول هذه المهام إلى جزء يسير جدا من المهام التي باتت مطروحة على جدول أعماله تحت وطأة الاحتلال الأميركي،
هذه المهام التي تشهد عدم اتفاق على مشروعيتها وأهميتها، بل وحتى على (ضرورة) طرحها في ظل حالة الانقسام بين المثقفين العراقيين الذين نجحت سياسة التقسيم الطائفية والإقليمية الأميركية في دفع الكثير منهم للتمترس خلف الطائفة والعشيرة أو الولاءات الإقليمية الضيقة.
المهام المطروحة أمام المثقف العراقي تائهة تبحث عن هويتها، الأمر الذي يجعل من إمكانية تحقق إنتاج ثقافي غزير كما كان عليه الحال سابقا مسألة صعبة حاليا وتنتظر زوال الغمام الذي يحيط بالوضع هناك.
وأوضح الدكتور يوسف عيدابي مدير إدارة التخطيط في دائرة الثقافة والإعلام رئيس اللجنة المنظمة لمعرض الشارقة الدولي للكتاب أن المشاركة العراقية نتيجة للظروف السياسية التي تمر بها متقطعة فقبل ثلاثة أعوام كان لها مشاركة هامة إلا أنه بات من الصعوبة بمكان أن تشارك في الوقت الراهن حيث رضينا بالمشاركات من خارج الوطن،
مضيفا أن ما يمر به العراق يزعزع كيان ووجدان المبدع ويقلق هويته، مؤكدا في السياق ذاته أن الطائفية التي تنخر كالسوس لحمة العراق الوطنية وبعده الثقافي والحضاري تعيدنا إلى العصور المظلمة ونحن كمثقفين نتوخى مواجهة هذه الأشياء لان انفراطها يؤثر على مسالة الوجود.
أسئلة كثيرة يواجهها المثقف العراقي باهتمام، وعجز في الآن ذاته وهو ما يؤكده الأديب والشاعر حميد القاسم الذي يرى أن الكتاب العراقي وكذلك المبدع العراقي يعيشان مع محيطهما قطيعة طال زمنها والتي يراها تمتد إلى تاريخ ابعد من الحرب والاحتلال ويعني بذلك زمن الحصار الذي أعلنته الأمم المتحدة في أغسطس 1990
ومنذ ذلك الوقت لم يشترك العراق بل لم تتم دعوته إلى معارض الكتاب والأكثر مرارة أن العراق وان دعي لن يكون قادرا على المشاركة لأسباب عديدة، مشيرا إلى أن العراق لا يشهد حركة نشر كبيرة فمطابعه قديمة والحصار أنهك البلد وجعله على حافة الانهيار والاحتلال،
مؤكدا أن كوارث الموت اليوم أجهضت حركة الكتاب العراقي وطبعه ونشره وتسويقه لذا تكدست المخطوطات في بيوت الأدباء والمثقفين العراقيين أو تشترى بثمن بخس من بعض دكاكين النشر في البلدان المجاورة.
وقال القاسم مثلما ينقطع الكاتب العراقي ودور النشر على قلتها عن معارض الكتب وسوقها فلا ترى كتابا عراقيا إلا ما ندر من خلال دور نشر صغيرة يقوم عليها ناشر أجنبي من أصل عراقي هنا وهناك مما لا يشبع ولا يغني ولا يداوي جرحا كما يقول العراقيون.
ويرى الشاعر إبراهيم عبد الملك المقيم في السويد والمشارك في المعرض بصفة شخصية أن الحرب التي تدور رحاها في العراق قوضت البعد الثقافي للمجتمع وجعلت اقتناء الكتاب ترفا،
مشيرا إلى أن غياب العمل العراقي اليوم هو نتيجة حتمية لسنوات الحصار المر التي تعد من أسوأ المراحل التي مرت على المثقف العراقي فقتلت لديه روح الإبداع وأطفأت توهج النشر فظهرت ثقافة الاستنساخ وتأثرت دور النشر بكل ما في الحصار من قسوة وأضحى من الصعب على المؤلف طباعة رواية أو حتى مجموعة شعرية،
مشيرا إلى أن الاحتلال الأميركي والكابوس الحالي زاد الأمر سوءا مع أن المثقف العراقي لا يزال يكتب بل ظهرت لديه مهام جديدة وهي الحفاظ على وحدة وتجانس الشعب العراقي الذي يواجه الفتنة الطائفية بأشرس صورها،
مشددا على أن ابتعاد العراق عن الحركة الثقافية عربيا وعالميا هي فترة مؤقتة ولا يمكن لها أن تستمر والعراقي إن كان في الداخل أو الخارج فهو يحمل الهم والهدف ذاته. وأعرب عدد من العراقيين الزائرين لمعرض الشارقة للكتاب عن حزنهم لما آل إليه حال المثقف العراقي وغياب دولتهم التي كانت رائدة في العلم والأدب والثقافة.
الغياب القسري للعراق ومعركة الثقافة العراقية اليوم ستظل دائرة لسنوات مقبلة وستحرم ساحة العلم والثقافة من أقلام المبدعين المغيبين وستبقى معارض الكتب كما معرض الشارقة الدولي للكتاب محرومة من وجود المبدع العراقي فيها الذي ظن البعض انه غادر الساحة أو تلاشى رغم ازدهار تجارة الكتب في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي كانت رائجة ومن أشهر دور النشر فيها المأمون للترجمة والنشر ودار الشؤون الثقافية.
الشارقة ـ نورا الأمير