في أمسية للإبداع في عيد الإبداع، ألقى سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم (فزاع)، قصيدة شامخة في عيد الفخر والاعتزاز والوحدة، وتسيد الشعر المكان بعد أن تسيد الشاعر حروف القصيد التي انسابت بعذوبة، وتألق منشداً للوطن الذي يتألق دائماً برجاله وقادته، ومسيرة العطاء التي ما توقفت لحظة منذ إعلان الوحدة.

وتمازجت أبيات القصيدة بإيقاع دولة تزينت بمعاني التآزر والتضامن والخير لأهلها وأشقائها وأصدقائها، ومدت يد العون لتضيء بنورها قلوب المحتاجين والمتضررين.. فلا غرابة أن تمتد القصيدة لتتجاوز الثمانين بيتاً، تتمدد على ربوع الوطن، تحاكيه ويحاكيها، تسرد قصته ومآثر رجاله، وتبحر مع موجه الذي يردد صدى الماضي العريق. وأضفى حضور الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأصحاب السمو الشيوخ، بعداً آخر للمناسبة والقصيدة، فتجمعت كل عناصر الإبداع، وكأن بحور الشعر كلها تجسدت في مبنى شعري واحد، هذا ما يفعله عيد الوطن، وذاك ما يفعله شعراؤه.

إنها قصيدة للوطن صاغها «فزاع»، متغنياً بحب الإمارات، ومآثرها، وتألقها الذي توج بالاتحاد. ليضيف إليها إلقاؤه المتميز حالة إبداعية متكاملة مع أجواء مسرح قصر الإمارات في أبوظبي، حيث أحيا الأمسية الليلة قبل الماضية. أهدى الشاعر «فزاع» قصيدته الوطنية المؤلفة من 84 بيتاً إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وإلى الوالد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وإلى أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات، وإلى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وإلى شعب الإمارات.

وقال في مطلعها:

يا نقاد الشعر صلوا على محمد ويا سبحان

من آجال البشر بيده وإذا ماتت يحاسبها

يا رب المغفرة والناس ما ترجي سوى الغفران

ولا غيرك يغفر ذنوبها والا يعذبها

عزيز وجل شأنك واعتلت قدرتك يا رحمن

أقوله والقلوب بقدرتك تقدر تقلبها

كما ظهر اعتزاز الشاعر «فزاع» بقدراته الشعرية، وبسيطرة الشعر على ذاته وتفاعله معه مما يمنحه شعور التحليق قال:

وأنا شاعر يحلق في الفضا ولو ما معه جنحان

وصل حد النجوم اللي تراقبه ويراقبها

أبيات قوبلت بالتصفيق الدافئ، وصلت إلى أعماق الناس، ليتفاعلوا معها ويرددوها في مناسبات كثيرة، حين يحضر ذكر سادة الشعر ورواده.

«البيان» استطلعت آراء عدد من شعراء الساحة النبطية في الدولة حول الأمسية الحدث، وكانت كلها مجمعة على الحب والإشادة بالقصائد القريبة إلى القلب والروح معاً.. ووصفوا الأجواء التي أحاطت بالأمسية وصاحبها بأنها ارتفعت إلى مستوى الحدث الذي انتظره محبو الشعر بشغف.. وأكدوا ان الإنصات وسط فضاء القاعة الفسيحة التي ضمت نخبة الذواقة كان بالغ الدلالة والتعبير عن المحبة والتقدير الذي يكنه أبناء الوطن والشعراء منهم خصوصاً لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم.

إضافة حقيقية للشعر

سيف المري (مدير عام دار الصدى): «كانت الأمسية رائعة، والأجواء الاحتفالية كانت جميلة، وجميل أكثر اختيار سمو الشيخ حمدان احياء أمسيته في أبوظبي، ليفاجئ الجمهور بقصيدته المؤلفة من 84 بيتاً، والتي تعد إضافة حقيقية للشعر، وتوجت بإلقائه الجميل بمصاحبة الموسيقى، على مسرح صمم بشكل جميل ليتناغم مع الجو العام».

وانتقل المري للحديث عن أجواء القصيدة قائلاً: «يساعد على إنجاح القصائد الحماسية الجو النفسي العام للقصيدة، وهنا اعتمد الشيخ حمدان على التاريخ من خلال قصيدته الوحدوية، ممجداً الاتحاد، كونه مستقبل المنطقة، ذاكراً كل الحكام، في بداية القصيدة، داعياً للخير عندما قال إن الأيادي التي تدعو إلى الحرب يجب أن تقطع، إنها دعوة للسلام، وهو معنى جميل للغاية، ونلاحظ أن هذه المعاني الجميلة، تكررت مراراً في قصيدته.

إذ قال لو كانت عقارب الساعة توقفت لموت شخص لتوقفت لموت زايد». وختم بالقول: «تكررت كما قلت هذه المعاني البلاغية المركبة غير المألوفة في الشعر النبطي، كثيراً في قصائده.. هذه القصيدة تعد بالفعل إضافة جديدة وتجربة جميلة، وحضور رائع، وإلقاء محكم، تجمع كلها لتسجل إضافة حقيقية لسمو الشيخ حمدان».

القصيدة الأمسية

سالم سيف الكعبي: «إنها القصيدة المعلقة، وأرى فيها أمسية كاملة، مع العلم أن الأمسيات تحتوي عادة على مجموعة من القصائد، لكنها كانت أمسية من قصيدة واحدة تألق فيها الشيخ حمدان، خاصة وأننا نحتاج في حياتنا إلى أمسيات بهذه الضخامة.. إن شعره جميل وهذا ما جذبني للحضور، وبالفعل أرضيت رغبتي، لأنني وجدت الشعر من خلال رائعته العشرية، التي تدخل القلب، خاصة وأن إلقاءه كان جميلا، بدليل التفاعل الحماسي من قبل الجمهور».

شفافية وإلقاء رائع

محمد البريكي: «يعتبر سمو الشيخ حمدان بن محمد شاعراً جميلاً متميزاً، في فن الإلقاء الشعري، واختياره للقصائد أيضاً، وكانت قصيدته هذه رائعة للوطن، الذي جمعه في مساحاته الشعرية، فقصائده كما عرفناها تتمتع بالشفافية، والانتماء، ويأتي هذا حتى في قصائده الرومانسية، لأنها جميعها، مفعمة بالإحساس، يضيف إليها إلقاؤه الرائع، بعداً إبداعياً آخر».

قدرة على توظيف الإبداع

محمد المر بالعبد: «توقعت أن تكون هناك مجموعة من القصائد، لكنني سمعت قصيدة واحدة، إنها المرة الأولى التي أحضر فيها أمسية لقصيدة واحدة، إنها أمسية القصيدة التي جعلت الجمهور يتفاعل مع الشاعر، لدرجة أني لم أرَ مثل هذا التفاعل من قبل. خاصة أن القصيدة تزداد جمالاً في إطالتها، وهذا ما جعل الجميع إليه، وهو ما يعكس مقدرته على توظيف إبداعه.

وختم قائلاً: «أكثر مشهد أثر في نفسي في ختام الأمسية».

صور بلاغية جميلة

محمد المحرمي: «كانت الأمسية مميزة، خاصة وأنها بمناسبة العيد الوطني لدولتنا، لذلك كانت بمثابة جوهرة الاتحاد، وكان الحشد الجماهيري لافتاً للانتباه، مشدوداً بالصور البلاغية الجملية التي تشبعت بها القصيدة، لقد صور لنا الإمارات بدقة، ومن خلال هذا التصوير استطعنا أن نعيش الاتحاد من جديد، أتمنى أن نرى هذه القصيدة على «سي دي» .

شاعر ذو نفس طويل

سيف السعدي «مدير تحرير مجلة جواهر»: «تعتبر هذه الأمسية من أجمل وأروع الأمسيات التي شاهدتها في حياتي كلها، وتعتبر القصيدة التي ألقاها سمو الشيخ حمدان من أروع القصائد الوطنية التي قيلت في حب الوطن، وأثبت «فزاع» من خلالها أنه شاعر ذو نفس طويل، إنها قصيدة جاء كل بيت فيها أجمل من الذي قبله، لقد بدأت القصيدة قوية وانتهت قوية. وهذا ما عهدناه من سمو الشيخ حمدان. فالأمسية كانت خفيفة على الروح، لدرجة أنها انتهت ونحن نريد أن نسمع المزيد وهذا الشاعر الحقيقي الذي يعرف متى ينسحب».

قصيدة بيضاء

عيضة بن مسعود: «الميزة في شعر سمو الشيخ حمدان بن محمد آل مكتوم أنه شديد الالتصاق بربه، دائما يذكر الله، لقد حضرت له أمسيات كثيرة، ورأيت أنه كما الآن لا بد أن يذكر الله ورسوله الكريم. ولعل رجلاً بمكانة «فزاع» حين يذكر الله لابد أن يشكل قدوة للناس، خاصة وأن الذين يكتبون الشعر يحققون من خلاله شعبية بين الناس. كما كان للوطن وجود حقيقي في قصائده، مما يجسد حب الوطن، ويترجم الانتماء».

وأضاف عيضة بن مسعود قائلاً: «يعتمد الشاعر على نهج مختلف عن النهج السابق لجيل الرواد، مثل شعر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وعن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بمعنى أن قصيدته واضحة بالنسبة لمعظم شعوب الدول العربية لأنه يكتب باللهجة الثالثة أو كما يسمونها «اللهجة البيضاء» التي تكون مفهومة بالنسبة لمعظم الناس.

خلافاً لرواد الشعر الشعبي في الدولة الذين كتبوا باللهجة الغارقة بالعامية، وهذا ما يجعل من قصائده تصل إلى مختلف الفئات والشرائح». وختم بالقول: «يمتلك الشاعر «فزاع» مقدرة كبيرة في جذب الجمهور بأدائه، ويوصل فكرته، بواسطة إلقائه، إنه قارئ جميل لقصائده يلقيها بتناغم مع حركات يده ووجهه».

إبداع متفرد

علي السبعان (سكرتير تحرير مجلة «جواهر»): «لاشك أن الحديث عن تجربة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم لا يمكن اختزاله في أسطر قليلة، ولذلك سأقتصر في هذه العجالة على ذكر انطباعي عن أمسية سموه التي أقيمت في «قصر الإمارات» ، وفيها قدم «فزّاع» أنموذجاً متكاملاً ومكثفاً عن مسيرته الشعرية وفرادة إبداعه وتميزه، وذلك من خلال ملامح عدة يمكن لعين الذائقة تمييزها ويجدر بالمتأمل التوقف عندها.

أولاً: مناسبة الأمسية وهي مناسبة وطنية هامة وعزيزة على القلوب.. مناسبة الاحتفالات بالعيد الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، ومن حسن الاختيار أن تقام هذه الأمسية في مدينة أبوظبي بصفتها عاصمة الإمارات وبحضور سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الذي كان حضوره قصيدة متفردة بذاتها..

قصيدة مفرداتها المحبة الوفاء وقوافيها التواضع والبشاشة ووزنها من وزن صاحبها الذي ترجح موازين القلوب بمحبته وإجلاله، كما كان حضور سمو الشيخ منصور بن زايد وسمو الشيخ سيف بن زايد نصراً للشعر وانتصاراً للوطن في ذلك المساء.

ثانياً: جرأة الطرح المتمثلة في تخصيص أمسية لقصيدة واحدة فقط، وهذه الجرأة لا تنبع إلا من ثقة بالنفس وثقة بذائقة المتلقي، إذ لا يقدم عليها إلا شاعر يثق بأدوات إبداعه، وقدرته على إشباع الذائقة المتعطشة لشعره، وإنصاف الموضوع الذي يتصدى لطرحه في الوقت ذاته، كما أن ذلك يدل على تقدير الشاعر للمناسبة وصدق وطنيته ما جعله يفرد لها شعره ومشاعره من دون أن يتطرق لغرض آخر علماً أنه يدرك أن الجمهور يتلهف لسماع قصائد أخرى لسموه، خصوصاً في بابي الغزل والوجدانيات.

ثالثاً: النفس الطويل للشاعر الذي تجلى في طول القصيدة التي بلغت أربعة وثمانين بيتاً من دون أن يقع في تكرار ممل أو إسهاب لا طائل من ورائه، بل كانت القصيدة وحدة متجانسة من الإبداع، متسلسلة بتسلسل الأحداث والوقائع، ومتسقة الشاعرية والشعور، بحيث أبقى الجمهور مشدوداً لسماعها إلى البيت الأخير، وهناك ملاحظة أخرى لا بد من الإشارة إليها.

وهي أن (فزّاع) كان يلقي القصيدة عن ظهر قلب من دون النظر إلى الورقة، وذلك ما جعل تفاعله مع الجمهور أكثر حيوية وتواصلاً، ولعل أبلغ التفاعل وأجمله هو ذاك الذي صدر عن سمو الشيخ محمد بن زايد الذي وقف ثلاث مرّات أثناء الأمسية ليقف معه الجمهور تقديراً للشعر ولـ (فزّاع).

أبوظبي ـ عبير يونس