المتابع عن كثب لمعرض الشارقة الدولي للكتاب سيجد أن ثمة عناوين متنوعة ومتجددة في كل دور النشر، مما يؤكد أن المعرض ليس على جدول أعمال الناشرين وحسب، بل بات - كونه ظاهرة ثقافية سنوية- بمثابة عرف عند جميع من يمتون للكتاب بصلة، وبمثابة حلبة للتنافس والتواصل بين الناشرين من جهة، والناشرين والقراء من جهة ثانية..

فمع التطور العلمي واتساع مجالات البحث ومنافذ المعرفة تطور القارئ العربي وارتقت اختياراته وتحددت اتجاهاته وقراءاته أكثر وأكثر، مما جعل دور النشر بالضرورة تواكب هذه التحولات، وتقدم الكتب النوعية والمتنوعة التي تطال كل مجالات الحياة.

مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث يشارك في المعرض بشكل مستمر، ولكنه يحرص على ألا تشوب الرتابة هذه المشاركات، فإضافة إلى تقديم الجديد، يؤسس للتواصل من خلال طرحه سلسلة من الكتب تربط القارئ بها وتجعله يتابعها بشكل دائم، وإن كان البعض يعتقد أن المركز يعنى بالتراث فقط، فثمة كتب قيمة تؤكد أن المركز يعنى بالشؤون الثقافية والفكرية والتاريخية.

والسلسلة المشتركة للبحوث والمصادر في تاريخ الجزيرة العربية وبلدان الخليج خير دليل على ذلك، وهاهو الكتاب الرابع « الدول الأوروبية في الخليج العربي من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر» من تأليف نتاليا نيكولايفنا تومانوفيتش.

وترجمة سمير سطاس، يسلط الضوء على مراحل التوسع الاستعماري للبرتغال وهولندا ومن ثم فرنسا وبريطانيا في منطقة الخليج، مؤكداً أن الأهداف الأساسية والاتجاهات والأساليب التي تتبعها الدول التي تسعى للسيطرة على منطقة الخليج العربي باقية على حالها على مدى أربعة قرون.

هذا، ولم يتوقف التأسيس للتواصل على طباعة الكتب المتسلسلة والمتنوعة، بل يسعى القائمون على هذا الصرح الثقافي إلى التواصل على كل الأصعدة، والميدانية منها، فقد قام رئيس المركز جمعة الماجد بزيارة للمعرض و تجول في أجنحته وأثنى على النجاح المتنامي للمعرض شكلاً ومضموناً والذي يوازي التنامي في كافة حقول الثقافة بالشارقة التي يرعاها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة.

كما تمنى على المثقفين والجمهور زيارة المعرض للاستزادة من هذه التظاهرة المعرفية التي تتكامل مع ما يقدم من أنشطة متنوعة في كافة المجالات الثقافية بمختلف أنحاء الدولة.

أول موسوعة

دار حوران التي تشارك للمرة الأولى، تشارك بقوة عبر عدة عناوين جديدة، منها الموسوعة الجيولوجية الكاملة للدكتور فواز الأزكي، وهي أول موسوعة جيولوجية عربية، استغرق إعدادها نحو عشرين عاماً من البحث في أكثر من ستمائة وخمسين مرجعاً من كتب ومعاجم ومجلات ومقالات، عربية وانكليزية وفرنسية ورومانية..

وتخص هذه الموسوعة الباحثين وطلاب الجامعة في مجالات الجيولوجيا، البتروكيمياء ، الجغرافيا، البيولوجيا، الهندسة المدنية والزراعية، علوم البيئة، الفلك، الآثار، والاستشعار عن بعد.. تشمل الموسوعة جميع المصطلحات العلمية المتعلقة بالجيولوجيا، مزودة بالرسوم التوضيحية.

مؤلف الموسوعة الدكتور الأزكي حائز على شهادة الدكتوراه في الجيولوجيا عام 1959، ونال جائزة سابا عام 1994، وهو أول من اكتشف بيضة متحجرة لديناصور، وأعلن عالمياً أن سوريا كانت معبراً للديناصورات. له العديد من المؤلفات، منها الزلازل، وكسوف الشمس وخسوف القمر.

العلاقة بالآخر

مما لاشك فيه أن العلاقة مع الآخر تحتاج في بعض أشكالها لقنوات اتصال تكون اللغة أساسها غالباً، ولذلك صارت الترجمة من العمليات الضرورية لهذا التواصل، ولكن أية ترجمة تحقق المصداقية والشفافية في تناولها للآخر، وكيف تتم ممارستها، وماذا عن دور الكتاب في نشرها وتطويرها؟

عبر جولة في معرض الشارقة الدولي للكتاب ستجد في دار توبقال للنشر من الدار البيضاء كتاباً لعبد الكبير الشرقاوي يبحث في شعرية الترجمة، انطلاقاً من أن الترجمة ملازمة للتعدد اللساني البشري، وتنقسم في ممارستها وفقا للحاجات ولأنماط الاتصال بين اللغات وأنواع الملفوظات المنقولة من لغة إلى أخرى.

ويرى مؤلف الكتاب أن الممارسة الترجمية الحديثة والخطاب النظري المصاحب لها يرسمان خرائط تصنيفية تقسم الحقل الترجمي إلى مواقع ومناطق مستقلة، لكنها مرتبطة بما يشبه التقسيم الأفلاطوني للموجودات، فثمة ترجمة بشرية تتوزع إلى ترجمة شفهية مع تصنيفاتها الداخلية: فورية، متوافقة، متخللة..

وترجمة تحريرية تعتمد النص المكتوب، وتتوزع بدورها على ترجمة تقنية أو علمية، وترجمة أدبية تشمل العلوم الإنسانية في معناها الواسع، وتتوزع إلى ترجمة الأنواع النثرية والأنواع الشعرية، وهي موضوع الكتاب.

في الجانب الآخر من إشكالية العلاقة بالآخر، تقدم دار الحوار جديدها عبر إبراهيم محمود مؤلف كتاب النقد والرغبة في القول الفلسفي المعاصر، فثمة مسافة عميقة الغور وغير ثابتة، تحدد العلاقات القائمة أو الموجودة بين الأنا والآخر والنقد والرغبة، وفي تتبع تلك العلاقات الخفية والظاهرة يتشكل المدخل المنهجي الذي سعى الباحث إلى إرسائه في هذا الكتاب.

حيث جلا مقترحه المفهومي وآليات البناء، وبحث في انفراط عقد المعرفة فلسفياً، وفي التنوع داخل الفلسفة الواحدة، وفي مواجهة الفلسفة للتاريخ وبالتاريخ.. كما بحث في تجليات التراث في القول والجنسانية، ومنطق السلطة والميتافيزيقيا ومرآة الترجمة وحدود الأنا والآخر.

الإسهامات الفكرية

من الإضافات المهمة التي يقدمها معرض الشارقة فتح المجال وبحرية للإسهامات الفكرية، فيمكن لأي جهة أو جماعة أن تنشر أفكارها ومبادئها عبر مجموعة من الكتب وبشكل دوري، ويمكن أن تحاضر وتشارك بالندوات وغير ذلك من الأساليب الإعلامية..

وهذا ما تفعله دار مصر المحروسة هذا العام، فقد حملت للمعرض منشورات الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، وهي سلسلة من الدراسات تعنى بمنظمات المجتمع المدني، وتتخطى التركيز على تحليل الملامح لتمتد إلى تقييم المنظمات ذاتها وأدائها ومدى فاعلياتها..

وتقدم للقارئ تأصيلاً لعملية التقييم في هذا القطاع المهم، وتطرح دليلاً استرشادياً لمنهجية تقييم منظمات المجتمع المدني، وتعد خطوة عملية وعلمية لتحقيق نقلة نوعية في عملية تطوير تلك المنظمات.

ويقوم على هذا المشروع نخبة من الباحثين المتخصصين بالشؤون المجتمعية، منهم د. أماني قنديل الباحثة الرئيسية، د. سلوى العامري، د. هاشم الحسيني والباحث أيمن عبد الوهاب.

من دار كنعان تعلو صرخة طازجة ضد تهويد القدس، عبر كتاب إسرائيل شاحاك « تاريخ اليهود وديانتهم - عبء ثلاثة آلاف عام» ترجمه عن الانجليزية ناصرة السعدون وقدم له غور فيدال وإدوارد سعيد، ومقدمة جديدة لنورتن ميزفينسكي.

وفي هذا المعرض تجد أفكار شاحاك - الذي رحل مؤخراً - حيزاً للوصول إلى القارئ العربي، فهو لم يحلل السياسات الكئيبة لإسرائيل اليوم وحسب، بل تناول التلمود أيضاً وتأثير تقاليد الكهانة اليمينية التي تسعى لتحويل إسرائيل لدولة دينية تقتصر على اليهود فقط، وهذا ما حصل قريباً في أنابوليس خلال اللقاء العربي الأميركي الإسرائيلي الأخير.

الشارقة ـ محمود أبوحامد