لا يزال الحديث عن وجود أدب حقيقي للطفل في الوطن العربي مجرد مشروع يفتقد للركائز الموضوعية التي تجعله عالما قائما بذاته، هذه الركائز التي تتمثل بكتاب متخصصين إلى حد كبير يطرقون موضوعات تقع في بؤرة اهتمام الطفل، بعيدا عن كونه مجرد تابع لعالم الكبار وأحداثه اليومية وملحقا به بالكامل، دون منحه المساحة الخاصة به التي تؤرخ ليوميات الطفل من واقع نظرته هو لعالمه، وتفاصيل حلمه بهذا الواقع ومستقبل هذا الواقع.

عالم الطفل لم يزل يترنح تحت وطأة الحلم بتحققه موضوعيا، والتبعية لعالم الكبار وأدبهم الذي ربما ينظر إلى الكتابة للطفل على انه مجرد ترف لم يحن وقته بعد في سلم الأولويات، خاصة وأن أدب الكبار يواجه أزمته هو الآخر بتمظهراتها المعيشية والسياسية التي تجعله يجاهد لبلورة هويته والمحافظة عليها. في خضم هذا التوصيف للمشكلة ما هي الحلول أو البدائل؟. وهل اللجوء للتراجم الأجنبية يوقعنا بذات المشكلة؟

منى فينينغ من دار المنى للنشر تقول المحاولات من اجل الوصول إلى عمل إبداعي في مجال الكتابة للأطفال ما زال متعثرا ورغم المحاولات الجادة هنا وهناك إلا أنها لا تزال دون المستوى المطلوب، مشيرة إلى أن عناوين الكتب جميعها متشابهة في مضامينها وطرق عرضها ورسومها الأمر الذي يجعلها تدعو إلى السأم سريعا دون أن تقدم أي معلومة هامة كما أن التقليد والاستنساخ المشوه من الغرب افقد الأعمال روح المبادرة والابتكار.

وقالت إنها اكتشفت هذه الحقيقة منذ 25 عاما فنحت باتجاه الترجمة معلنة بذلك رفضها للكتب العربية الموجهة للأطفال لأنها من وجهة نظر متخصصة في أدب الأطفال تستخف بعقلية الطفل ولا تقيم قدراته العقلية بالشكل الدقيق فالطفل فيلسوف ومفكر صغير يحتاج من يدعمه ويهيئ له بيئة خصبة للإبداع.

معتبرة أن هنالك عجزاً حقيقياً فيما يتم إنتاجه من كتب في مجال أدب الطفل الأمر الذي يؤدي إلى اللجوء إلى كتب الأدب المترجم بديلاً عن المنتج العربي فيلاقي الأخير التهميش والانتقاص منه في مقابل أدب الطفل الغربي، وهذا ما يزيد من فجوة الطفل مع واقعه ويزيد من عدم ثقته بإنتاجه الأدبي مستقبلاً.

من جانبها دعت لجينة الأصيل مستشارة ثقافة الطفل بوزارة الثقافة والإرشاد القومي في الجمهورية العربية السورية والتي تشارك بصفة شخصية في المعرض من خلال ورش عمل متخصصة برسوم كتب الأطفال إلى احترام عقلية الطفل فيما يوجه إليه من قصص وروايات والعمل بشكل جماعي من قبل المؤسسات المعنية لإيجاد استراتيجيات وآليات عمل تسرع في تطوير المنتج الثقافي الذي يقدم للطفل العربي وتلافي الأخطاء الحالية، وأكدت ان القصور واضح في مجال أدب الأطفال إلا أنها تستبشر خيرا بالتفات الجهات المعنية من مؤسسات تعليمية وثقافية وأسرية لأدب الطفل.

وذكرت أن الرسوم التي ترافق النص القصصي ضعيفة مع أن الأصل في جعلها بمثابة لوحة فنية كونها محور جذب مهما إضافة إلى أن الرسوم تسهم في تنمية ذائقة الطفل وتوسيع مخيلته التي تقوده في النهاية إلى الابتكار.

وترى ناهد عصمت الشوا كاتبة وناشرة في مجال أدب الطفل أن كتاب الطفل الذي يعتبر نواة الثقافة الأولى، يعاني من فوضى في التعاطي معه، فلا يتم تأسيس الطفل ثقافياً بشكل صحيح، مما ينتج جيلاً ركيكا سطحيا فالكتاب الموجه للأطفال هو كتاب ضعيف المستوى من الناحيتين النوعية والجمالية.

مشيرة إلى أن الكتابة للطفل ليست كما يعتقد البعض فهي من النوع السهل الممتنع ومعايير الكتابة والنشر فيها تختلف عنها لدى الكبار فلا بد للناشر أن يهتم بالإخراج والرسومات ونوع الورق والحرف ومقاسه والنواحي الجمالية كما على الكاتب أن يراعي النواحي النفسية والفسيولوجية والتربوية للطفل فكل مرحلة عمرية لها احتياجاتها التي تشبع وتطور شخصيته.

مضيفة انه لا بد للحكومات أن تتحرك كما على المربين أن يرفعوا رايات الثقافة والحرية الفكرية لان هناك دورا منوطا بهم يعد إلى جانب إيجاد متخصصين ركيزة أساسية لإنجاح المشروع الثقافي الذي يمكن أن يكون له دور كبير في تحويل فكر الأجيال القادمة وتزويدهم بأسلحة العلم والإبداع. وقالت إن الاعتراف بأدب الطفل جاء متأخرا فالكتابات التي كانت متداولة كانت أدبا وعظيا تارة وتعليميا مدرسيا تارة أخرى ولكنها تعيد التأكيد على حاجة الوطن العربي لتحقيق تكامل جاد بين منتجي ثقافة الطفل العربي في الوطن.

دعوة لتقديم ابتكارات عربية تضاهي المنتج الأجنبي

أكد عدد من منتجي كتب الأطفال انه حان الوقت لتقديم ابتكارات عربية تضاهي جودة المنتج الأجنبي لأن أي أمة تعلم أطفالها بغير اللغة الأم هي أمة مهددة بالفناء، مشيرين إلى ان ذلك ليس تقليلاً من شأن المنتج الأجنبي بل دعوة إلى الابتكار والتجديد الخلاق.

وأكد صاحب دار العويدات للنشر أن الدار ابتعدت حالياً عن تجميع النصوص المترجمة والأخذ من هنا وهناك والتفتت بصورة كاملة لإخراج كتاب متميز من حيث المضمون والإخراج والصور إضافة إلى توجههم لإصدار موسوعات بالألوان، مؤكداً انه ليس العيب أن نأخذ من الآخر لأننا نهدف في النهاية إلى تقديم عمل متكامل الأبعاد لطفلنا العربي يواكب ما ينتجه الغرب.

من جانبه اعتبر مدير دار ربيع للنشر والتوزيع ان وجود 56 ناشراً متخصصاً في أدب الأطفال في دورة المعرض الحالية تأكيد على تنامي الطلب وإدراك المجتمع أهمية تثقيف الأطفال من سن الثانية وحتى السادسة أي مرحلة ما قبل المدرسة.

ونفت مديرة دار المنى للنشر ان يكون الهدف من الكتب المترجمة ان المنتج المحلي بل المطلوب ان تكون الأعمال نافذة تحل مكان نافذة ينهل منها المتخصصون في هذا المجال خاصة وان عمر أدب الطفل في أوروبا طويل مع ان رواية ألف ليلة وليلة العربية تشكل حجر الأساس لأدب الطفل.

الشارقة ـ نورا الأمير، عنان كتانة