يعرض الفنان التشكيلي السوري ياسر صافي في «رواق الشارقة للفنون» 27 لوحة، أكثر من ثلثيها تنتمي إلى فن الغرافيك ـ الحفر، الذي أوغل فيه صافي منذ أكثر من عشرة أعوام. تتميز لوحة ياسر صافي بشعرية ليست استعراضية وليست المادة الوحيدة التي يقيم عليها الفنان مشروعه.
أي أنها ليست لوحة تعمل على الشعر بمفهوم القصيدة، وكذلك ليس الشعر مادة استعمالية فقط بقدر ما هو جزء من بنية اللوحة المتضمنة لعناصر متنوعة، وتشكل معاً النص البصري البانورامي وموحياته البادية تلقائية وغرائزية من حيث التأليف، المتجول في أنحاء ذاكرة بصرية تجمع بين المادة الخام البكر وبين حال تخيلي مجازي متصاعد في حوارات درامية شفيفة، تبعثر الأشكال
وتوقد كل عناصر الصورة الغرائبية والسحرية والشيطانية الجامعة لدهشة الإنسان المدمجة مع دهشة كائنات أخرى كالقطط والطيور وغيرها، في لحظة عاطفية بمعناها الأثيري الذي يبرز الممكن على انه استحالة قدرية. إذ أن فضاء اللوحة يكاد يكون غائباً في مساحة اللوحة، وهو غياب متعمد وجزء من بنية التأليف ذاته. أحياناً يكون موظفاً أدائياً في لوحة الحفر، وعلى العكس في اللوحة التشكيلية، حيث الفضاء يتعدى الحال الاستخدامي إلى ان يكون من العناصر المكونة الرئيسية.
اللون الأسود في لوحة الغرافيك عموماً يساهم في خصوصية نمطية للنوع الفني المذكور. لكن ياسر صافي يتجاوز المعتاد المستكين، إلى ما يمكن تسميته مستوى استنباطي خاص. فيستفيد من مرونة اللون الأسود في حركية الخطوط ويستثمر السماكة اللونية ويحولها إلى عاجيات في الخطوط أو في النتوءات على سطح اللوحة أو في جوهرها العميق.
وهذا ما يمنح لوحة صافي صفة اللوحة الطفولية البريئة، المحاذية لجنون وإفساد وتخريب للروح والجسد، وبالطبع للمعاني المستكينة. وهي لوحة بهذا المعنى لا تدعي «الثورية» أو «الانقلابية» على سائد ومعتاد، بقدر ما هي لوحة مستقلة.
وتقيم مفاهيمها الخاصة، لأنها رؤيوية ولا تعنى بثرثرة الانقلابيين، ولا بوعظ التقليديين. لوحة ياسر صافي افتراضية بالكامل وتستلهم من الواقع والحلم والهواجس والكوابيس مادتها الأولى التي لا يمكن أن تكون نهائية.
الشارقة ـ حسين قطايا
