شاشة سوداء في خلفية خشبة المسرح، مقعد أبيض منزلق، إطاران خشبيان قائمان مستطيلان مطليان باللون الأبيض ينزلقان على عجلات دوارة صغيرة، ويستحضران الشرفة والنافذة، هذا هو كل ما تصافحه عينا المتفرج على مسرحية «جرصة» للفنان اللبناني رفيق علي أحمد، حينما يدلف إلى «مسرح التحرير» في منطقة كيفان بالكويت.
لكن عندما يدخل الفنان اللبناني الكبير من يمين المسرح، وهو يقوم بارتداء سترته البيضاء، التي تتكامل مع بنطلونه من اللون نفسه، وتردد أصداء شعره الأشيب، فإن المسرح يموج بالحياة والحركة.
على الفور تهدر مونودراما «جرصة»، التي يتوالى عرضها على امتداد ساعتين أو أكثر ليتفاعل معها جمهور مهرجان القرين الكويتي ومهرجان الفجيرة للمونودراما الذي ينطلق اليوم وتلتهب الأكف بالتصفيق، والنفوس بالانفعال والتفاعل مع الفنان، الذي تميز بعروضه الفريدة المتوالية في إطار فن المونودراما.
البداية مع انفعال الفنان المسرحي، الذي يقدمه لنا رفيق علي أحمد في مواجهة معايرة زوجته له لإخفاقه في لحظات حميمة بينهما، لكن صاحبنا سرعان ما يطل من النافذة والشرفة الوهميتين إياهما، ليفضح فشله وفشل مجتمعه، فشله كفنان لم يقدم مسرحاً منذ عشرين عاماً، وفشله كمواطن يرى الأشياء في وطنه تتداعى من دون أن يملك الحد الأدنى من إمكانية التحرك، وفشله كأب مع أبنائه، وفشله كإنسان في مواجهة آلية قمعية كاسحة، تجعل الخيار الوحيد المتاح أمامه هو بين الاغتراب في المهجر والاستلاب في الوطن.
هذا الحكواتي النادر ينطلق هادراً، ليستحضر من خلال أدائه وأسلوبه القادر على التنوع والتلون شخصيات لا حصر لها، ابتداء من عمه العجوز الذي يحاول في غسق العمر استحضار الفحولة، وزوجة عمه الصارخة مستغيثة بالجيران فجراً، وليس انتهاء بعائلة الفنان الصغيرة.
حيث تروعنا هوة الأجيال بينه وبين ابنه وابنته، مروراً بفريق المحققين والعاملين في الرقابة على المصنفات الفنية، والقائمين على طقوس الهجرة، وممثلي الطوائف والأحزاب، وأصدقاء الفنان الذين يشاركونه الضياع في المقاهي، في انتظار ما لا يأتي.
هكذا نجد أنفسنا وقد انطلقنا من تلك الفضيحة العائلية الصغيرة إلى مسلسل لا ينتهي من الحكايات والفضائح والنقد لكل ما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمع اللبناني خاصة والمجتمع العربي امتداداً.
هذا المسلسل الفضائحي يمر بأهوال الحرب الأهلية اللبنانية حتى اليوم، ليلفت أنظارنا على نحو صارخ إلى أن ما يعيشه المجتمع اللبناني هذه الأيام لا يقل خطورة عن الأوضاع خلال الحرب الأهلية، لأن ألسنة لهيب الحالة الطائفية أصبحت أكثر تأججاً وارتفاعاً.
الفنان رفيق علي أحمد كعهده، منذ قدم للمرة الأولى عمله الأول «الجرس» في إطار المونودراما، يموج بالحياة والحركة والحضور، حيث لا ينقطع التواصل بينه وبين الجمهور لحظة واحدة، فهو ينطلق مؤدياً بلغة محكية شديدة الطواعية والمرونة، ويساعده في أدائه جسم شديد المرونة يخوض غمار الرقص والحركة والانتقال من النقيض إلى النقيض، من الجهامة والعبوس إلى الابتسام والضحك حتى الإغراب والاستلقاء على القفا.
لكن هذا ليس كل ما يقدمه الفنان رفيق علي أحمد، وإنما هو في «جرصة» أيضاً المخرج الذي يعرف كيف يحافظ على انسياب العرض وتدفق حركته وتوازنها، وهو أيضاً مصمم الديكور الذي يتحرك معه، ويجيد توظيفه، بحيث أننا نجد أن إطار الشرفة الذي صرخ عبره الفنان هاتفا بجيرانه أن الفضيحة تطاردهم وتشكل نسيج حياتهم اليومية، سرعان ما تتحول إلى سيارة أجرة، ثم تغدو عربة لبيع الخضر، وما تلبث أن تتحول إلى كفن يتصدر جنازة، فلا تملك إلا أن تسأل نفسك: كيف جميعاً؟
الضوء والموسيقى يتدخلان في صميم العرض أيضاً، فهما جزء لا يتجزأ من عناصر تراثه، فعندما تنطلق الموسيقى غربية صارخة لتعكس انفصال الجيل الجديد عن كل ما يتعلق بالروح العربية، يوشك الضوء أن يتحول إلى مقصلة في مشاهد التحقيق مع الفنان وتعذيبه ومحاكمته.
يطير الوقت طيراناً مع «جرصة»، فتوشك أن تنسى نفسك مع هذا الفنان الخمسيني الهادر على خشبة المسرح، الذي يتبدى لنا مغترباً عن ذاته وعن مجتمعه، مهمشاً، وضائعاً، ليصبح أخيراً مخصيا، حيث يتحول فعل «الخصى»، الذي يصور لنا وهو يقع على ثور في ضيعة الفنان خلال طفولته، إلى كابوس داهم يلقي بظلاله على الحياة والوجود جميعاً.
هكذا لا نملك إلا التوقف عند الإيقاع التصاعدي للعمل، الذي يبدأ من «جرصة» الفشل في اللحظات الحميمة، ليندفع هادراً نحو «جرصة» الاخفاق العام، الذي يتهدد وجود المجتمع والدولة والإنسان الفرد جميعاً.
ويصل هذا الايقاع المتصاعد إلى أعلى ذراه في اللحظات الأخيرة من العرض، حيث يندفع الفنان مطالباً بالحل لأن البديل الوحيد عن ذلك هو كما يعلنه بوضوح وجرأة: «روحوا انضبوا!».
الذين أتيحت لهم فرصة مشاهدة العرض الأول من العرضين اللذين قدما على مسرح كيفان، ضمن الفعاليات الثلاث والثلاثين التي يضمها مهرجان القرين في دورته الرابعة عشرة، حظوا بفرصة لقاء مطول مع الفنان، عقب العرض مباشرة.
رداً على سؤال لـ «البيان» أبدى الفنان رفيق علي أحمد سعادته بأنه في الطريق إلى عرض مسرحية «جرصة» في إطار فعاليات مهرجان الفجيرة للمونودراما، الذي وصفه بأنه مهرجان شديد التميز.
وفاجأ الفنان جمهوره مفاجأة سعيدة، عندما أكد أنه سيقدم في مطلع العام المقبل عرضي «جرس» و«جرصة» معاً، ليضع أمام الجمهور الوضع الذي يؤكد إلى أي حدّ تفاقمت الأوضاع، وازدادت انحداراً وسوءا في لبنان بدلاً من أن تتحسن.
وأثنى الفنان اللبناني على الرقابة الكويتية، مشيراً إلى أنها لم تحذف كلمة واحدة من العرض، الذي تعاملت معه برقي يؤكد مدى الحرص على احترام حرية الرأي.
ورداً على سؤال حول ما الذي كان يمكن أن يكون عليه موقفه لو أن الرقابة طلبت حذف بعض عناصر العرض أو مقاطعه، قال إنه في هذه الحالة كان سيفضل عدم تقديم العرض بالمرة، لأن الفنان الحقيقي لا يساوم على حريته.
وحول السر في استمراره في العمل في إطار المونودراما، قال الفنان اللبناني إن البداية كانت مع مسرحية «الجرس» التي كتبت على شكل حوارات، إلا أن الوضع في لبنان آنذاك لم يكن يسمح بتكوين فريق عمل مسرحي متكامل، فلجأ إلى المونودراما.
خاصة وأنه يملك القدرة على تقديم هذا اللون من الفن المسرحي، وحقق فيه نجاحاً طيباً، بعيداً عن اللغة العربية الفصحى التي قال إنه لا يحب أن يقدم عروضه بها، لأنه حريص على أن يكون قريباً من الناس ومن الجمهور، الذي أقبل على عروضه لشعوره بالتواصل معه من خلال اللهجة المحكية.
ورداً على سؤال حول ما إذا كان متفائلاً أم متشائماً فيما يتعلق بالمستقبل، قال إن مسرحياته دائماً تكون متشائمة في طروحاتها، إلا أن مسرحية «جرصة» تحمل الإيحاء بوجود بصيص من الأمل بغد مشرق، من دون أن يعرف السبب في ذلك على وجه الدقة.
وأعرب الفنان رفيق علي أحمد، أخيراً عن أسفه الشديد حيال ما شهدته الساحة اللبنانية أخيراً وما آلت إليه الأحداث السياسية في البلاد، مشيراً إلى أن أرض لبنان وصلت بها الأمور إلى حد أنها باتت تكره رائحة الدم.
الكويت ـ كامل يوسف
