تتزايد أصوات البعض للإعلان عن نهاية زمن الشعر العربي، أحياناً أصدق تلك القراءات حينما تلطمني قصيدة رديئة لشويعر أغبر، ولكني أضطر للعودة إلى شعراء رهنوا حياتهم للشعر، مثل أحمد الصافي النجفي الذي ظل عازباً وحيداً ومات غريباً، ولكنه تزوج الشعر على حد قوله.

ومثل الصافي النجفي عشرات من شعراء رهنوا حياتهم للشعر، حتى أصبحوا والقصيدة سواء، أمثال «بدر شاكر السياب، نزار قباني، الجواهري، نجيب سرور، البردوني، صلاح عبد الصبور، صلاح جاهين، مظفر النواب، بيرم التونسي...

وغيرهم كثيرون من شعراء فصحى وعامية ونبط، فالشعر عندي بلا تصنيف ولا تجزئة، واللغة، أو اللهجة، وسيلة إيصال بين شحنة الشعر ووهج التلقي، لذا وجدت أن الشعر ينبغي أن تكون له شروط حياة، على الرغم من أنني لست شاعراً ولكنني كأي عربي مرهف الحس والإحساس والعواطف لا أستطيع أن أعيش بلا شعر، وأستغرب من عالم أو حياة ليس فيها نغمة بيت شعري، ولا سيمفونية قصيدة..

ولا شاعر مجنون يملأ السماء غناء، ويطرز الأرض بالفل والياسمين، أو أن يجعل نخيل البصرة لوحة فيها ألف لون مع غياب شمس أو شروقها.

هل مات الياسمين في دمشق؟ أو هل انقطع فسيل نخل العراق؟ وهل جفت شجرة الأرز في بيروت؟ أو انقطع ماء النيل عن الجريان؟ أو هل مرضت شجرة الزيتون في فلسطين؟ أو هل ارمدّ رمل الجزيرة؟ وانقطع السمار عن سواحل الخليج المنارة بألف ألف مصباح وشمس ونجمة؟

إذا حدث ذلك، فلا بد للشعر العربي أن يموت، وأن ينتحر الشاعر أينما كان، حينذاك تفقد القصيدة معناها وأهميتها، لأنها ترتبط جدلياً بالجمال.

والشعر يعشق الحرية، يريد هواء وفضاء ومدى، لذا لا يمكن للشاعر أن يكتب في حضن السلطة، ولا يمكن أن تتعايش سلطتان، والشعر لا يتنازل عن سلطته كما هي السلطة لا تتنازل عن جبروتها.

الشعر مثل فرس جامحة لا تستقر ولا تهدأ، تصهل وتصهل حتى تموت، تقاوم من أجل أن لا تتحول تمثالاً من حجارة أو إسمنت.

والشعر بعد ذلك مخاض وألم ولادة، قد تكون مستعصية تقتل صاحبها، وقد تكون سهلة فتأتي مع الفجر أو مع الغروب أو حتى في شمس الظهيرة، والشاعر لا يعرف لون قصيدته ولا شكلها ولا كلماتها أو مفرداتها، مثل امرأة لا ترى لون عيني طفلتها إلا بعد أن تصرخ باكية شاكية لأنها خرجت من جنتها إلى عالم يفاجئها بفجاجته وبماديته وبكل رعونته.

لو تحدثنا عن الشعر لأحسسنا كم نحن بحاجة له لا أن نتكلم عنه، لكن السؤال الذي نطرحه أمام أنفسنا وأمام أولئك الذين ما عادوا يهمهم الشعر بقدر ما يهمهم الحاسب وأجهزة الإلكترون، وسرعة السيارة، وأرصدة البنوك.

السؤال صديقي القارئ بسيط ويبدو ساذجاً!

هل نحن في بلاد العرب ما زلنا نحتاج إلى الشعر؟!

هل نضحي بآلاف السنين الشعرية لصالح التكنولوجيا الحديثة؟!

هل فعلاً كان الشعر سبباً في تخلفنا، أم حافزاً لحضارتنا التي امتدت عشرات القرون؟!

هل يمكن أن نقايض الشعر بالطائرة، والسيارة، والصاروخ، وو.. وإذا كنا نستطيع ذلك؛ فهل يمكننا أن نقايض جنائن بابل بالعراق بمطعم للهامبرغر؟

أو أن نبيع الأهرامات في مصر لقاء أطنان من القمح الأميركي؟

أو ربما تقايض سوريا المسجد الأموي.. لقاء عودة الجولان؟!

وهل..؟ وهل..؟ وهل..؟

الشعر العربي ليس معروضاً للمقايضة، أو التنازل عنه مثله مثل كل المقدسات التي أصبحت طوقاً في أعناقنا.