لا يمكن أن يذكر الإبداع إلا ويذكر الروائي الإماراتي علي أبو الريش الذي تنقل في مسيرته الإبداعية ما بين الكتابة الروائية حيث أصدر أكثر من عشر روايات منها سلايم، زينة الملك، وتل الصنم وغيرها، والمسرحية وله في هذا المجال مسرحيتان إلى جانب مجموعة قصصية بعنوان ذات المخلب، ومجموعتان شعريتان.

حصل أبو الريش على جائزة أفضل كاتب محلي، والتي أعُلنت مؤخرا عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة في إطار فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته السادسة والعشرين والتي تنطلق في الخامس من ديسمبر. الرواية جاءت بعنوان «ثلاثية الحب والماء والتراب» ومنها كانت بداية الحوار مع علي ابو الريش:

* كيف تلقيت خبر فوز بجائزة أفضل كاتب محلي؟

ـ أي كاتب يلقى الاحتفاء به، سيكون لهذا أثر كبير في نفسه، وهذا ما يدفعه لمواصلة الإنتاج الإبداعي، رغم الاحباطات المحيطة سواء كانت ثقافية، أو غيرها.

ومما لاشك فيه أن الشارقة كإمارة تعد سباقة في تقديم يد العون لكل مثقف في هذا البلد دون استثناء، والحقيقة أن الجائزة الأهم كلام الدكتور يوسف عيدابي الذي يشرفني، ويسعدني، ويجعل الإنسان أمام عمل مهم، فالمسألة الإبداعية ليست مسألة سهلة، بل بحاجة إلى مزيد من الجهد والعمل الدؤوب للمواصلة.

* تحدثت في إجابتك عن التحديات الثقافية فما الذي تقصده بالضبط؟

ـ أهم التحديات الوقف السائد في المجتمعات، أن المثقف هو التيار الضد للحياة الاجتماعية، فالمثقف يواجه في بلادنا العربية صعوبات كثيرة، مثل أن يصل إلى القارئ، وحاجته إلى قواميس تفسر وتحلل مدى أهمية ما يقدمه من نتاج إبداعي.

في البلدان العربية هناك لهاث مزر ومخزٍ، خلف المظاهر الاستهلاكية، من أجل طمس الهوية الثقافية، بحجة أن العالم أصبح قرية واحدة، وهنا جعلت العولمة من الناس يفهمون فهما خاطئا، لبعد هذه العولمة.

ولو انطلقنا من التاريخ سنجد أنفسنا أول السائرين على هذا النهج، فهناك أسس ومناهج للتعاطي مع الثقافة، فالعولمة لا تقضي مسخ الهوية الوطنية، ولا تعني سيطرة الهوية القوية اقتصاديا على الآخر.

وحتى يبنى حوار حقيقي، وفاعل بين الشعوب لا بد أن تحترم هوية الأوطان ككل، وليس بتفضيل وطن على آخر، فما نشهده الآن هو محاولة طاغية للاستيلاء، على الإرث الثقافي لبلداننا، واحتلالنا من الداخل، واغتصاب هويتنا الثقافية.

* تنقلت في كتابتك بين أكثر من جنس إبداعي فلماذا فضلت العمل الروائي دون غيره من الأجناس؟

ـ إذا كان الشعر ديوان العرب، فالرواية ديوان الأدب، أجد في الرواية مسرحاً كبيراً، وبرلماناً عالمياً واسع الفضاء، يستطيع الكاتب أن يقول من خلاله ما يريد وأن يخاطب شخوصه، دون السقوف المنخفضة.

والحقيقة من في منطقتنا يعاني كثيرا من الإجابات الجاهزة والأسئلة المقنعة، الأمر الذي يجعلني أعتبر الرواية قاموس وناموس الثقافة.

من الممكن أن نتحدث عن الشعر والقصة، لكني أعتبر هذا مجرد ومضات دالة على مشروع أكبر وهو الرواية، خاصة وان الإنسان في منطقتنا يعيش حالة من بعثرة المشاعر، وهنا يستطيع، أو يحاول الكاتب من خلال الرواية، أن يرتب ويهذب هذا الشتات في سبيل صياغة واقع مختلف.

لذلك أنا ضد كل من يعتقد أن الرواية تسجيل واقع، لأنها حقيقة إعادة صياغة هذا الواقع، وطرح متدفق للأسئلة، من أجل أن تتماهى مع هذا الفضاء الذي نعيش تحت سقفه.

* تعود إلى الماضي، وإلى ما تتشبع به الذاكرة، من اجل ركيزة روائية، لكن الحاضر لم يغيرك بأحداثه ومظاهره لماذا؟

ـ الرواية في الإمارات تتحدث عن الماضي، والزمن بالنسبة لي بلا فواصل، وبلا مفاصل، إنما هو فضاء مفتوح، ولو تحدثنا ما الماضي في الإمارات والحاضر، لقلت أنا ككاتب لا أزال أسكن هذا الماضي، ويسكنني، لأنني عشته، أما الحاضر فلا يزال مجرد لوحة تشكيلية أتهجى الخطوط على مساحاتها.

والإمارات بالذات كبلد لم تأت من فراغ، والذين يتحدثون عن الحاضر، يتحدثون عن لحظة، واللحظة لا تشكل إرثا ثقافيا إنما التراكم الحقيقي يكمن في التاريخ، والتاريخ كتاب الماضي، أما الآتي فهو أسماء نحاول أن نضع الشخوص على خارطته.

على سبيل المثال، أنا سكنت الخيمة وتعاملت مع البحر ووقفت عند النخلة، هذا الثلاثي كون شخصية إنسان اسمه علي أبو الريش، أما الأبراج السابحة بهذه الشوارع فلاشك أنها أبنية جميلة، ومبهرة.

لكنها كالدمى جامدة بدون إحساس، وهان آتى بمقارنة إن أحضروا لرجل دمية وامرأة، من الطبيعي أنه سيتجه إلى المرأة.

بالمختصر كل هذا لم يشكل شيئاً في حياتي، عن أي حاضر نتحدث، فهو لا يزال مثل الجنين الذي لم يتشكل، أي كاتب يتحدث عن الحاضر، سيكون قد جنى على ثقافة هذا المجتمع، وانتزع منها المشيمة، كما ينتزع الجنين من حبل الصرة.

* هناك من يقول إن الرواية هي ابنة المدينة فما رأيك؟

ـ أيهما أسبق الفكرة أم التطبيق، لا شك أن الفكرة ومثل ما هي المدينة جاءت من رحم القرية. ولو تحدثنا عن مدينة في الوطن العربي، لا توجد، فالموجود هو مجرد قرى كبيرة، والمدينة مرتبطة بالثورة الصناعية، ونحن والحمد لله نستورد من الإبرة حتى العقار.

طالما لا توجد هناك مدينة فلا يوجد روائي، لكن الحقيقة هناك روائيون عرب عظام مثل الطيب صالح، إبراهيم الكوني، حنا مينه وغيرهم،

فإذا كنا مقتنعين بأن المدينة تصنع الرواية، لما كان عندنا روائي.

بالإضافة إلى هذا أتصور أن هناك مجتمعاً ثانياً بدءاً من الأسرة، فالحي، فالقرية وانتهاء بالمدينة، يوجد صراع، والرواية في الأساس تقوم على أساس الصراع الطبقي، فالإنسان الفرد الواحد يعيش الصراع، وتدور في أذهاننا في اللحظة الواحدة مجموعة من القيم، والأفكار التي تتشابه وتفترق، تتصارع وتتصالح، فلماذا نغبن حق البشرية بأن تصنع غدها بصياغة إبداعية مهمة كالرواية.

* لكتابة الرواية طقوس خاصة، فهل لنا أن نتعرف على تقاليد كتابتك الروائية؟

ـ بداية لا يمر علي يوم إلا وأمسك القلم وأكتب، فأي فكرة تخطر ببالي لابد أن أسجلها وأتركها للزمن، وأستخدم فيما بعد الفكرة الناضجة.

رغم أني أواظب على كتابة الأفكار التي لم تختمر بعد، واقتنص ساعتين من وقتي للقراءة، أقرأ لكثيرين مثل إبراهيم الكوني، والطاهر وطار، وحيدر حيدر وغيرهم، حتى يصل الإنسان إلى عميلة الكتابة لابد أن يقرأ.

* هل هناك قراءات متخصصة تحرص عليها؟

ـ الذي يهمني هو علم النفس وهو بالأصل دراستي الجامعية، وأتصور أن الذي لم يقرأ في علم النفس، لا يتمرس الكتابة، فالكاتب يتعامل مع إنسان ولابد له من أن يفهم هذا الإنسان.

* كم من الزمن استغرقت في كتابة روايتك الأخيرة؟

ـ حوالي سنة وشهرين.

* هناك تعليقات كثيرة تطال الروايات وهي دليل على المسافة الشاسعة بين القارئ والكاتب هل تعرضت لبعض الاتهامات؟

ـ في روايتي الأخيرة وجدت الكثير من التعليقات على شبكة الإنترنت، مثل أن الكاتب فاسق، واعتبروا أن أبو فراس هو النبي يحيى، واسقطوا عليه مفاهيم غريبة، لكن العمل الروائي مختلف، للأسف نحن بين جهتين وهم الليبراليون والمتدينون، والناس تتقبل مواضيع الجنس والنساء، في التلفزيون.

بينما لا يتقبلوها في أماكن أخرى، مع العلم أن الكثير من التفصيلات كانت وردت في القرآن الكريم، مثل كلمة «النكاح «التي ذكرت في عدد من سور القرآن لأكثر من أربعين مرة. فما الخطأ أن توظف بعض الأفكار لخدمة الناس.

* هل يمكن للفعاليات والمظاهر الثقافية التي تقام الآن بكثرة أن تؤسس لمجتمع مثقف؟

ـ المظاهر المقامة تبدو بروتوكولية، ورسمية، أكثر منها إبداعية، وأتمنى من القائمين أن يكونوا بمستوى الحدث الحاصل، فالثقافة أصبحت كالسلعة كل يتسابق عليها بدون فهم لأهمية العمل الثقافي.

وفي الإمارات الذي يتميز بامتلاكه الموارد الاقتصادية، يجب أن يحمي هذه المقدرات بدرع ثقافي قوي. فمثلا بعد أن نسف العراق، بقي للمثقفين صوت مسموع، ويمارسون عملهم الإبداعي في كل أنحاء العالم، وذلك للتاريخ والثقافة المتأصلة بحياة الناس هناك منذ فجر التاريخ.

*ألا تعتقد بان كل هذا يساهم في توسع الفجوة بين المثقف والمجتمع؟

ـ المثقف يستطيع أن يحقق غرضه، عندما تتكاثف جهود الكثيرين مثل وسائل الإعلام، فالنشاط الثقافي يؤخذ على استحياء، بينما جمهور الرياضة، لهم المنتديات الطويلة والعريضة، لسنا ضد الرياضة، لكننا نطالب بالحق المشروع للمثقف أن يتبوأ دوره، ويأخذ حقه في الإنتاج والانتشار.

إنها ثقافة مجتمع تربى على حال كهذه، الثقافة هي الكم المهمل في مجتمعاتنا، وإذا ما سلط الضوء فهي ترفيه، وليست التزاما قيميا وأخلاقيا.

إضاءة

نحتاج الآن إلى اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، فالاتحاد غائب كليا عن الدور والأنشطة الثقافية سواء الجوائز والمعارض والندوات، لم نر منها شيئا، لأنه الحاضر الغائب، وليس له أثر، مع أنه من المفترض من أي شخص تناط به مسؤولية هذه المؤسسة.

أن يتصدى لهذا الإهمال، وأن يرفعوا أصواتهم عاليا، ليقوم الاتحاد بدوره الحقيقي، وإلا ما قيمة وجود هذه المباني، يعتقدون أن إقامة ندوة، هي حلقة الوصل بين الكاتب ومحيطه، لكن هل تصدى اتحاد الكتاب لترجمة نص شعري، وهل أقام علاقات مع دور نشر واتحادات الكتاب في العالم، وأعتقد هذه مشكلة، في وقت نعرف فيه اصغر كاتب في العالم.

أبوظبي ـ عبير يونس