تحت رعاية سمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي ولي عهد عجمان رئيس المجلس التنفيذي، افتتح الشيخ عبدالعزيز بن حميد النعيمي رئيس دائرة الثقافة والإعلام مساء أول من أمس منتدى (نحن والآخر: الثقافة العربية ـ الوحدة والتنوع من المحيط إلى الخليج) والمعرض الفني المصاحب لها في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، بحضور نخبة من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين..

توزع المنتدى على جلستين أدارهما الإعلامي اللبناني رفيق نصر الله ، شارك في الجلسة الأولى كل من د. فاطمة الصايغ من الإمارات، د. صالح هويدي من العراق، د. عبد السلام المسدي من تونس، والروائي عصام الباشا من سوريا.. وفي الجلسة الثانية كل من د. عبدالشافي محمد من مصر، والناقد عبدالمنعم عبدالله من السودان، والشاعر علي كنعان من سوريا. بدأت المنتدى الدكتورة فاطمة الصايغ بورقة جاءت تحت عنوان «العلاقات الثقافية التاريخية في منطقة الإمارات وشبه القارة الهندية» تناولت فيها تاريخية العلاقة بين الخليج والهند عامة والإمارات بشكل خاص، وأثر تلك العلاقة على المنجز الثقافي في ظل غياب علاقات عربية خليجية، مؤكدة أنه من الصعب الفصل بين نشأة العلاقات الثقافية وبين العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، فجميع هذه العلاقات ترجع إلى جذر واحد وهو تواجد هذه الجاليات في بلاد أخرى.

أما عرب الخليج فعلى الرغم من أن الهند مقصدهم الاقتصادي الأول إلا أن ذلك تغير مع انتشار الوعي الحضاري والثقافي. فكانت سفنهم تجوب الموانئ الهندية وتنقل السلع التجارية العربية إلى الهند وتنقل سلع الهند إلى موانئ الخليج، وعند تطور الوعي الثقافي والاجتماعي في الخليج أصبحت الهند هي مقصدهم الأول أيضاً.

فقد قصدوا الهند لنهل التعليم والاستفادة من منابع الثقافة والعلم الحديثة. في الوقت ذاته لم تنقطع صلة الهنود بالخليج فقد كانوا من أوائل المستوطنين الأجانب الذين سكنوا منطقة الخليج في التاريخ الحديث.

وأوضحت د. الصايغ أن انتظام الرحلات الملاحية النصف شهرية بين دبي وبومباي لعب دوراً كبيراً في النهضة الثقافية في الخليج. كما كان فتح الخط الصحراوي بين دمشق وبغداد عام 1924 شريانا جديدا أمد الخليج بالمزيد من الدماء الثقافية المتجددة.

كانت كراتشي وبومباي بالنسبة لبلدان الخليج مركزين كبيرين من مراكز الثقافة وظلا يحتلان في حياتهم أهمية كبيرة فلا غرو أن تعتبر بومباي عاصمة الثقافة في الشرق تمثل للشرقيين ما تمثله باريس للحضارة الغربية.

ورقة الدكتور صالح هويدي بحثت في علاقة الوحدة والتنوع بالآخر عبر عودة لتاريخ بلاد الرافدين والحضارات المتعاقبة.

حيث أوضح ان اتسام مجتمع أو دولة ما كالعراق، بتعدد أديانه وطوائفه وأعراقه وقومياته الإثنية، إنما يعود إلى الغنى الذاتي للبلد وامتلاك أرضه موارد وثروات ومصادر كانت على الدوام عوامل جذب للناس الذين وجدوا فيه أرضا مفتوحة وفيرة الخيرات، غنية الموارد، خلافا للبلدان والمجتمعات الطاردة الأخرى.

وأكد د. هويدي في ورقته إن علينا كعرب أن نعترف بأننا نخشى الانفتاح على الآخر ونعيش عقدة الخوف من التفاعل معه ومحاورته، ونبالغ في تصويره وهو يتربص بنا ويتآمر علينا للحيلولة دون تقدمنا وتحقيق نهضتنا المنشودة، في وقت لم نتصالح فيه مع ذاتنا لإنجاز وعي علمي بتاريخنا. وهي عقدة خوف تلازمنا منذ قرون تدهور مسيرة حضارتنا وانسحابنا من الإسهام الفاعل في الحضارة العالمية.

الدكتور عبد السلام المسدي الذي جاءت ورقته تحت عنوان «المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط: منطقة ثقافية» أوضح ان البحث في موضوع الحوار الثقافي بين أطراف الوطن العربي ثمّ بينها وبين المحيط المجاور لها في هذه المرحلة التاريخية يمثل استجابة واعدة لحوافز عديدة بعضها بادٍ على السطح وبعضها الآخر متبطن، ولكن أهم البواعث الحافزة يتمثل في مسألة الهوية الحضارية من خلال إشكالية الأنا والآخر.

إذ ما تنفك النسقية الكونية تسعى بإصرار وجموح إلى القفز على كل السمات المائزة بين الثقافات الإنسانية، فإلى وقت قريب كان كلّ شيء في رحاب الإنسانية يحفز على بقاء الأمل في أن «العالم الحر» كما سماه مؤسّسوه هو الضامن الأكبر للقيم الحضارية النيّرة.

وللحقوق الطبيعية للأفراد والجماعات حتى حل المشهد الكوني الجديد فدقت بحلوله ساعة المراجعات الجذرية، وانكفأت الذات العربية العاقلة على نفسها كي تعْقل ذاتها بذاتها. وانبثق السؤال : من نحن؟ وهل إننا مفردٌ جمْعٌ أم قوم وقلوبهم شتّى؟

النحات والروائي السوري عصام الباشا استند إلى علاقته بفن النحت في بحثه بموضوع المنتدى، وإلى رحلاته المتعددة بين دول العالم، مؤكداً أن الإنسان الذي يبحث حقًا وبعمق عن المعرفة هو ذلك الذي يغادر نقطة «زاوية» وجهة نظره ويحاول الانتقال إلى النقطة المجاورة يروم التعرّف على ما يراه الآخرون من هذه «الكتلة/ الحقيقة».

وثمة آخرون لا يكتفون بالرأي المجاور فينتقلون إلى نقطة أخرى.ويحدث أن يقتنع أحدهم بوجهة نظر أخرى وسيكون خاطئًا نسبيًا لأنه لم يكتشف من هذه «الحقيقة» سوى رؤية نسبية وجزئية مغايرة لنسبية ما رآه وتوارثه في مسقط رأسه.سيستقرّ ويخلّف أولادًا يرثون ما تمليه زاوية النظر من معتقدات إلى أن يقوى أحدهم ويحاول التحرّك.

هذا، وبدأ الجلسة الثانية د. عبد الشافي محمد بورقة جاءت تحت عنوان «نحن والآخر: الثقافة العربية ـ الوحدة والتنوع .... حالة مصر نموذجا» تحدث فيها عن الحضارة والثقافة ودور ولأديان السماوية وعلاقتها ببعضها وعلاقة الدين الإسلامي بالآخر من خلال رصد للتحولات الاجتماعية والتاريخية التي مرت على مصر..

الناقد عبد المنعم عبد الله تحدث في ورقته التي عنوانها «الغابة والصحراء ورمزية التعبير في التدفق الوجودي في السودان» بين فيها خصوصية السودان الثقافية والاثنية والجغرافية موضحا أن السودان بلد متعدد الثقافات والديانات ،متباين اثنيا ، متعدد في مناخاته المتراوحة ما بين الصحراوي الجاف والبحر الأبيض المتوسط والاستوائي وجغرافيته المنطلقة من الصحراء الممهورة بتوقيع النيل والسافانا الممتدة إلى الغابة على اتساع مليون ميل مربع مطعمة بالجبال.وعلاقة كل هذا بفهم السودانيين للآخر عبر بحثهم عن مفهوم الهوية.

الشاعر علي كنعان اختتم المنتدى بورقة جاءت تحت عنوان «نحن والآخر: اليابان والشرق الأقصى» تحدث فيها عن تجربته في اليابان وفهم الشرقيين للآخر مركزاً على دور اللغة في التواصل بين الشعوب والتقصير اللغوي الذي يشوب علاقاتنا بالآخر، حيث توجد في اليابان مئات المعاهد التي تدرس العربية، بينما قلما نجد معهداً يدرس اللغة اليابانية أو الصينية.

إضاءة

أكد د. عبدالسلام المسدي أنه في ضوء معطيات المشهد الدولي بأبعاده السياسية والفكرية والثقافية، يكتسي حوارنا حول الوحدة والتنوع في الفضاء العربي، وحوارنا حول حدود المناطق الثقافية على الخريطة العربية، أهمية استثنائية.

وإذا كان مطمحنا هو ردم الفجوة الفاصلة بين كل منطقة وأخرى فإن البحث عن جسور تربط العرب جميعا بالفضاءات الإنسانية المطلقة لهو الواجب الأعجل؛ لذلك يصبح متعيّنا أن يكون انخراطنا في ميثاق التنوّع البشري أقوى وأمكن وأبقى.

عجمان ـ محمود أبوحامد