تستقطب ندوة الثقافة والتنمية، التي تعد الفعالية الأبرز من بين 33 فعالية تمتد عبر 21 يوماً في مهرجان القرين الثقافي، بالكويت، الذي انطلقت دورته الرابعة عشرة مؤخراً اهتماماً قوياً في ضوء الطبيعة المتوهجة والمحتدمة بالمناقشات ووجهات النظر المختلفة بموضوع الندوة الذي ساد الإجماع وارتبط هذا الاهتمام بتشديد الشيخ صباح الخالد الصباح وزير الإعلام الكويتي في افتتاحه للمهرجان على أن الظروف الراهنة للأمة العربية تشمل تحديات لابد من ربطها بالثقافة.

وفي كلمة ألقاها دكتور جابر عصفور رئيس المركز القومي للترجمة باسم المشاركين في الندوة حرص على إلقاء الضوء على خطورة المرحلة الراهنة التي تمر بها الأمة العربية، معرباً عن اعتقاده بأن المخاطر الداخلية أكثر وأشد احتداما من المخاطر الخارجية، من وجود القوى الظلامية التي تتربص بحركة الثقافة العربية.

وقدم د. أحمد أبو زيد الباحث والأكاديمي العربي البارز الذي أرتبط أسمه طويلا بمجلة «عالم الفكر» بحثاً معمقاً بعنوان «الثقافة ومسيرة الإنسان» ليكون بمثابة الأرضية النظرية الراسخة التي تنطلق منها مناقشات الندوة، فقدم عرضاً شاملاً لمفاهيم التنمية وهدفها وحدودها في المجتمعات النامية التي ينتمي إليها عالمنا العربي وانطلق الى تحليل مصطلح الثقافة بكل تعقيداته.

وربط بين التنمية والثقافة مشدداً في غمار ذلك كله بالارتباط بين الإنسان والثقافة والتنمية، باعتبار أن الثقافة في أحد أبعادها أقرب إلى شبكة عنكبوتية ينسجها الإنسان حول نفسه، ويحتمي بها ويرتبط بها تماماً.

واختتم دكتور أبو زيد بحثه بطرح مجموعة من علامات الاستفهام المهمة، في مقدمتها:

أ ـ كيف يمكن التوفيق بين متطلبات العولمة والحفاظ على هوية المجتمعات المختلفة؟

والى أي حد يكون أخلاقياً ان نستعير من مجتمعات لها ثقافات أخرى مختلفة تماماً؟ وما هو الوضع بالنسبة للثقافة في المجتمعات الآخذة في التعملق كالاتحاد الأوروبي؟ وأين نحن من هذا كله وان الثقافة العربية بوضعها الراهن ثقافة ماضوية بينما التنمية عملية مستقبلية فكيف يمكن الربط بين الجانبين؟ وماذا عن دور الدولة الكبيرة في عالمنا العربي واقترانه بغياب المشاركة الشعبية؟

وفي مداخلة بدر الرفاعي، أعْرب عن اعتقاده بأنه في غمار أي مناقشة لقضايا العولمة وتحدياتها لابد من الالتفات إلى تأكيد اليونسكو على ضرورة الحفاظ على هويات الشعوب، وهو التأكيد الذي ترجم في التوصل إلى الاتفاقية الخاصة بحماية التراث غير المادي للشعوب وفي رده على مجمل المداخلات شدد دكتور أبو زيد على الأهمية البالغة التي يتمتع بها الجانب الأخلاقي في عملية التنمية.

على القدر نفسه من الثراء جاء بحث دكتور جابر عصفور في الجلسة الثانية للندوة بعنوان «الثقافة.. التنمية.. التغيير الاجتماعي» حيث بادر منذ البداية إلى إيضاح أن مفهومه للتنمية هو أنها الاستغلال الأمثل للموارد، وفي مقدمتها الموارد البشرية.

وطرح خمسة مفاهيم خاطئة للتنمية، وأشار إلى أن ما يجمعها هو تجاهلها للإنسان. وفي مقدمة هذه المفاهيم الخاطئة جعل الاقتصاد العامل الأول للتنمية، وثانيها أن تحويل المجتمع الزراعي إلى مجتمع صناعي هو الخطوة الحتمية لتحقيق التنمية والتقدم على السواء.

وخلص دكتور جابر عصفور في ختام بحثه إلى التأكيد على أن الثقافة هي التي يمكن أن تتقدم بالمجتمع أو أن تتراجع به.

وتوالت التعقيبات على هذا البحث بكثافة، حيث بادر دكتور مجدي حماد، رئيس الجامعة اللبنانية الدولية، إلى طرح موضوع مقارنة تجربة التحديث العربية بثلاثة نماذج أخرى، هي:

أـ النموذج الياباني.

ب ـ النموذج الصيني.

ج ـ النموذج الهندي

وأعرب عن اعتقاده بأن تجربة التحديث العربية لم ترق في أي مرحلة إلى أي من هذه النماذج الثلاثة، مطالباً إيضاح المبررات والأبعاد الكاملة لهذا القصور الواضح.

وتطرق الباحث د. حسن مدن إلى مقدمة (جرامشه) عن تفاؤل الإرادة وتشاؤم العقل، معرباً عن ميله إلى تشاؤم العقل، وأيد ما ذهب إليه دكتور عصفور من وجود انفصال بين مداولات قاعة الندوة وبين ما يجري في الشارع، وضرب مثلاِ بأكبر مظاهرة في تاريخ البحرين، والتي ضمت قرابة ثلاثين ألف متظاهر مؤخراً كانوا يحتجون على قانون الأحوال الشخصية، كان معظم المتظاهرين من النساء، بينما صدر القانون أساساً للحفاظ على حقوقهن.

وتساءلت دكتورة نورية الرومي: في ضوء الواقع العربي الراهن.. أين موقفنا الحضاري في العالم؟.

وتساءل طالب الرفاعي، رئيس مهرجان القرين؛ أين هو التيار الآخر المهمش حالياً والذي يمكن أن يقود العالم العربي في مسيرة التقدم؟

وطرح كامل يوسف تساؤلاً محدداً عن الكيفية التي يقرأ بها دكتور عصفور المستقبل وتوقعاته انطلاقاً من قراءته الموضوعية لتضاريس الواقع.

وبادر بدر الرفاعي إلى الاعتراض على رؤية دكتور عصفور للمفاهيم الخاطئة ومنها التنمية المفروضة فوقياً، وقال إن هذه النوعية من التنمية برهنت على نجاحها رغم كل شيء، والمثال البارز في هذا الصدد النموذج الكويتي نفسه والنموذج السنغافوري.

وقال إن استخدام المخترعات والمبتكرات هو أمر إيجابي وليس مفهوماً خاطئاً للتنمية حتى ولو لم يقترن ذلك بإنتاج هذه المخترعات.

وفي ختام الجلسة أعرب عبيد الهاجري عن اعتقاده بدوره بأن الورقة فيها جوانب من القصور، وعن أمله في نقل الملاحظات إلى الدكتور التويجري للعمل على تطوير البحث.

الكويت ـ كامل يوسف