ربما من المسلمات التي لا خلاف عليها هذه الأيام هي أن التطور العلمي والتكنولوجي والتقني.. وصولاً إلى إفرازات ما يسمى بالعولمة، مزق العلاقات الاجتماعية عامة والأسرية خاصة وأبرز النزعة الفردية على حساب الحس الجماعي والعلاقات الحميمية التي كانت سائدة.. فهل بذلك إعلاء من شأن الفرد من جهة، وتحطيم للوشائج الاجتماعية كاملة من جهة ثانية؟ وهل التطور الاقتصادي بذلك أحدث انقطاعات بين الإنسان ومنجزه الثقافي؟

بالتأكيد سطوة النزعة الفردية جاءت على حساب العلاقات الحميمية القديمة، متمثلة بالأسرة والحي والقرية والتجمعات الصغيرة التي ظلت محصورة بأطر التبادلات الثقافية والاجتماعية الضيقة، وطغى عليها ما يمكن تسميته بالسيكولوجية العامة على الصعيد النفسي في الحالات الطبيعية، وما يمكن تسميته بغريزة القطيع في الظروف الطارئة، وانحصر المنجز الثقافي بالموروث الديني والتعليمي.. الخ.

وظلت المرجعيات التاريخية والبطريركية سيدة الموقف.. ومع كل هذا ظلت العلاقة الجدلية بين ما هو اقتصادي وما هو ثقافي قائمة.. فهل ثمة انقطاعات جوهرية بينها الآن؟ وهل التطور الاقتصادي همش الفرد أم حيده؟

التطور العلمي والتقني الذي جعل من الفرد رقماً في عجلة تدور، ودفعه لبيع عمره بأسرع ما يمكن حين يستعجل مرور الأيام حتى يحين آخر الشهر، موعد تحصيله لراتبه.. التطور هذا أخذ الفرد إلى دوامة اليومي وسلبه وقته الإنساني.. وقته الذي يبادل فيه محيطه عواطفه ومشاعره وأفكاره.. وقته الذي يمارس فيه أبسط متعه وأرق نزواته، وربما أعمق تأملاته وبالتالي إبداعاته.. لكن هل مزق علاقة الفرد بالآخرين تماماً وحطم منجزه الثقافي؟

عبر نظرة متأنية للواقع سنجد أن هذا التطور المتسارع نحو ما يسمى بالعولمة، حقق للفرد الرفاه وفتح للإنسان الكثير من منافذ المعرفة، وعوضاً عن وقته المسروق منحه سرعات قصوى في الوصول لها، وأصبح للتواصل مع الآخرين أساليب مكثفة تصل إلى الإشارات التي تعطي الكثير من الدلالات، وتغزل من الانطباعات مداخل كثيرة للتواصل الثقافي.

والإضافة إلى منجز الفردي الشخصي والتاريخي.. ويتجلى كل هذا بوضوح ثقافياً عبر السلوك اليومي، من صورة على مؤخرة السيارة لجيفارا أو حنظلة أو أرنب «البلي بوي» أو التنين.. إلى عبارة «لا تنسى ذكر الله» أو عين الحسود فيها عود أو لا تسرع فالموت أسرع.. إلى رنة الموبايل التي صارت معزوفة أو أغنية أو صياح ديك أو دعاء ..وإلى لباسه الذي يمكن أن يكون زياً موحداً لشعب بكامله وتضيع الملامح والتصورات والاختلافات.

ويمكن أن يعبر عن ذوق لابسه وميوله اللوني أو الشكلي أو الجمالي.. وكل تلك الإشارات التي لها بالضرورة دلالات تدل على صاحبها، ليس عبر هويته أو جنسيته أو انتمائه وحسب، بل عبر اهتماماته وتفكيره واختياراته وأولوياته، وطرق تعبيره وتواصله مع الآخر..

وبالتالي دلالات على سلوكه الثقافي، هذا السلوك الذي يتراكم بعيداً عن المؤسسات الرسمية، ومؤسسات المجتمع المدني النخبوية التي مازالت تسلط الضوء على التمظهرات الثقافية متجلية بالنتاجات الإبداعية على كل أصعدة الفنون والآداب وغيرها فقط، بدلا من ربط الفرد بماضيه عبر تراثه، وحاضره عبر يومياته وسلوكه، ومستقبله عبر إبداعاته واستشرافاته.

abuhamed@albayan.ae