إذا كان الفن التجريدي ذروة منطقية للتكعيبية والمستقبلية وغيرها من التيارات الشكلية المختلفة، وإذا كان التجريد له علاقة كبرى بالواقع التصوفي وينبني على الطاقة الحدسية ويستهدف ما تحت الشعور عند الإنسان.

فان الفنان الذي ينحو إلى لغة التجريد هو ذاك الذي يبحث في أشكال الواقع، في عمقها وما ورائياتها لتخرج الأشكال هي مرمزات وشيفرات تتكئ على دلالات خاصة جدا، تكون أكثر إشعاعاً حينما تعتمد على قنص الجمال من زواياه المختلفة.

في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية يستقر هذه الأيام معرض التشكيلية القطرية سعاد السالم الذي افتتحه ناجي الحاي وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية مساء أمس وحضره عدد من الفنانين التشكيليين من بينهم الفنان الدكتور محمد يوسف.

ومن خلال مجموعة مختارة من أعمالها التجريدية المنفذة على قماش الكنفس بألوان الزيت والاكريلك أو بواسطة الحفر الطباعي تستعرض السالم جملة من العلائق الذاتية بالأمكنة، خصوصا البيوت والمباني، النوافذ والأبواب والأمكنة الواسعة والضيقة والبقع الفجائية وكل ما يصدف في الممرات..

وعلى هوامش اللوحات هناك منمنمات تشبه النقوش لكتابات بدائية.. هي في الأغلب محاولة لمشاغبة الأمكنة والألوان بكثير من الأسرار. تقدم سعاد السالم التي تتبنى منذ سنوات حسبما يورد كتيب المعرض بحثا تفسيريا للسؤال الكبير «هل نسكن البيوت، أم هي التي تسكننا»

في مجمل لوحاتها المعروضة، حتى تلك التي تقترب أكثر من تلك الوجوه ذات الدلالات الميتافيزيقية في بعض اللوحات.. إن للأمكنة، وبينها حياة أنفاساً وألواناً وصدى حكايات قديمة وحاضرة،

وهذا ما تشي به لوحات التشكيلية سعاد السالم التي يبدو وكأنها تفتح خطابها مع الأمكنة على أساس متين من الجدل المسالم، فليس هناك ما يشير إلى الانتقام، ولا حتى العلاقة الحزينة بالمكان، بل أن الألوان التي توظفها سعاد السالم، ألوان دافئة ومسالمة، ولهذا فان الحوار أو خطابها السري المجرد والمرمز مع المكان هو حوار مسالم، أو حوار حنين.

ولماذا لا، طالما أن الإنسان الخليجي بالذات هو أكثر من يتأثر بدرجات عالية مع غياب أمكنته، خازنة ذاكرته وتراكماتها. فالإيقاع الذي تتحول فيه الأبنية والأمكنة نتيجة السعي نحو التغيير أو هدم القديم وتشييد الجديد هو ما نشئ حالة الحنين إلى الزائل منها..

تعكس لوحات سعاد السالم المجردة للأمكنة وحركتها وحياتها كثيرا من أسئلة الحنين، ويتجلى هذا حتى في الوجوه التي تطل بنظارتها وترنو إلى نوع من الشرود.. كتبت التشكيلية القطرية سعاد في مقدمة كتيب معرضها المقام في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية هذه الفقرة «رؤيتي تحمل مضموناً فلسفياً فكرياً أدبياً،

بقدر ما هي متساوية مع طرحي التشكيلي، فاللوحة عندي حداثية والفكر التشكيلي محكوم بالواقع الذي يرصده تأملي حول الموضوع: هل نسكن البيوت.. أم هي التي تسكننا؟.. هذا الهاجس جعلني أتصاعد في معالجة المشهد التشكيلي بشكل تجريدي على المستويين اللوني والتشكيلي

ومحاولتي من التمكن والسيطرة على كامل الرؤية البصرية التي أعالج بها بنائي للسطح الفني من خلال اللون والمساحة والخطوط والتقنيات لأصل من خلال التشكيل والذي أعده وسيلة لفعل إبداعي يحمل فكراً وثقافة وخبرات قصدت بها المتلقي بتفاوت حالاته وبقدر من التحريض البصري والإرشاد للاشتباك بالمشاهد الملونة مع تساؤلات مضمون الرؤية كفكر وتشكيل..

هذا الاعتراف الواضح من التشكيلية سعاد السالم هو أيضاً اعتراف بضرورة التصالح مع المتلقي حتى ولو كان التجريد حالة مستفزة في التلقي.. لكن تلك البيوت وتلك السكك الضيقة والمساحات الواسعة بينها وتلك الألوان المقترحة،

هو اقتراح آخر أيضاً للولوج إلى حالة من التلقي حرة جديرة بالاحترام. كل منا له علاقة وقصص أسطورية بالأماكن ومن هنا ينطلق معرض التشكيلية سعاد السالم ليغذي استفزاز الكلام عن طريق التلقي البصري ولهذا أسمت التشكيلية معرضها هذا «بصري مقروء»

الشارقة ـ مرعي الحليان