ينطلق أورهان باموق في كتابة الرواية من (هوى) تركي خالص، كما صرح بعد فوزه بجائزة نوبل عام 2006. وأتوق هنا لمعرفة الاستعمالات الخاصة بهوى باموق، وأظنني وصلت إلى ثلاث دلالات لهذه اللفظة.
أخمن بما جمعته من ميول باموق الروائية أن الدلالة الأولى صوفية، فالكلمة أقرب إلى لفظة ( عشق ) التي تعني ـ بمفهوم باموق ـ فناء الرغبة في التعبير عن الموضوع المعشوق. ويتضمن هذا التعبير استعادة حكايات العشق من نصوص قديمة، مثل مثنويات جلال الدين الرومي، وبناء تناصات حديثة على حروفها ورموزها.
وبما أن ( الأسلوب ) هو (عيب) الكاتب الذي يجهد في إظهار مهارته الأدبية، فإن الدلالة الثانية للهوى التركي هي (التمويه أوالإخفاء). فالكتاب الجيد ـ كما يبرهن باموق في رواية (اسمي أحمر) ـ هو كالرسم الجيد الذي يستحضره نقاش أعمى من ذاكرته التي تختزن صوراً لا تحصى من الرسم نفسه (صورة حصان مثلاً).
ينصرف الكاتب مثل الرسام إلى تأمل رسوم النقاشين الماهرين، ويتمرن على رسمها في ضوء الشمعدان، حتى إذا خبا بصره، أنتج الرسام رسمه المستقل عن النسخ الأصلية التي نسي تفاصيلها، وبزغ منها شكل واحد سقط مثل شهاب على صفحة ظلامه.
أما الرسام المبصر الذي لا يقاوم الرغبة في توقيع رسومه، فهو يخفي هذا التوقيع في زاوية من رسمه لا تكاد العين تلحظه، امتثالاً لمجهولية أسلوبه أمام المعلومية العظمى لأساليب أساتذته الذين يبجلهم ويتضاءل أسلوبه احتراماً لمكانتهم المموهة بضوء عينيه وتوقيع رسمه.
وفي رواية (اسمي أحمر) أمثلة وحكايات كثيرة موضوعة على أساس المحاكاة والتمويه تقترن بتقاليد (النقش خانات) العثمانية والفارسية. وغالباً ما يؤدي إتقان الأصول إلى الخبل و العمى، أو إلى نيل الحظوة عند المحبوب والسلطان .
الدلالة الثالثة للهوى التركي ـ في قاموس باموق ـ تنصرف إلى ( اللعب )، والمقصود هنا ألعاب الأفكار التي تتدرج من الموضوعات الخطرة والعظيمة حتى تنتهي بموضوعات السخرية والفكاهة. ويهدف باموق وراء ألعابه الفكرية ـ رواية (ثلج) مثالاً لها ـ إلى تدريب القارئ على إدراك التباينات الحادة بين التزام شخصياته الأفكار المجردة، وانغمارها الحقيقي بتفاصيل الحياة التافهة.
أجاب باموق حين سأله مراسل جريدة ( دي تسايت ) الألمانية، عن حماسة شخصياته للأفكار الهائلة: (أنت محق)، فشخصيات روايتي (ثلج) تئن تحت وزر الأفكار العامة. وأن تتحمل أكثر من طاقتك من الأفكار العظيمة هو أقرب ما يكون إلى الهوى التركي.
فقد جربت هذه الأمة منذ مئتي عام الانتقال من حضارة إلى أخرى، أستطيع الجزم أنها تجربة مؤلمة. (ثلج ) كتاب يدور فيه كل شيء. كم هو شاق أن تعيش مع هذه الأفكار العظيمة والمجردة، أن تتعايش معها وتشعر بالسعادة.
سئمت الأفكار الكبيرة، أجّلت كثيراً تناولها في بلدي المتخم سياسياً. فكان الأدب رد فعلي على هذا، محاولة لقلب اللعبة، شيء من الفكاهة، إحداث شيء من التباين في الموضوع. أريد أن أقول للقارئ لا تأخذ هذه الأشياء على أنها مهمة، أليست الحياة على قدر من الجمال ؟ انتبه إلى تفاصيل الحياة ! جوهر الحياة هو السعادة، وثمة احتمالية، أن نعيش في مجتمع متسامح نحن نصنعه. (الرأي ـ ترجمة علي عودة).
يجرب باموق أكثر من لعبة تناصية في روايته (الكتاب الأسود) ليعرض لنا هواه بالأفكار والتفاصيل المتناقلة بين النصوص، ومنها لعبة (المرآة) في الفصل المعنون (الرسوم ذات الأسرار) التي تعرض لنا واحدة من آليات (التناظر) و(التقابل) المواجهة لآليات التناص القائمة على (التماثل) و(التعاقب) من خلال مسابقة بين رسامين دامت ستة شهور لرسم (منظر استانبول الأجمل) على جدارين متقابلين في مدخل ملهى يملكه رجل عصابات.
شدّ الرسامان ستارة سميكة بين الجدارين المتقابلين وبدءآ عملهما حالاً. وبعد مئة وثمانين يوماً، في ليلة افتتاح الملهى، أزيحت الستارة فشاهد الضيوف منظراً رائعاً لاستانبول رسمه الرسام الأول على أحد الجدارين، أما الرسام الثاني فقد وضع مرآة على الجدار المقابل تعكس المنظر الأول، أكثر جمالاً وجاذبية في ضوء الشمعدانات المنصوبة في المدخل. وبالطبع ذهبت الجائزة للرسام صاحب المرآة.
بعد سنوات من تدهور الملهى، ومقتل صاحبه في حادث سيارة، ينشب عراك بين فتوات الملهى، بسبب الضيق والبطالة، فتتحطم مرآة الجدار، وتضيع الأسرار الكامنة خلفها، وبتحطمها تنتهي خدعة ( التناظر ) و ( التقابل ) التي بنى عليها المؤلف فصول الرواية، فكأنما أراد بتحطيم مرآة (الكتاب الأسود) إنهاء لعبة تكاثر نسخ الكتاب في خيال القارئ وإبقاء نسخة واحدة من انعكاس النصوص وتناص المدن والخرائط.
كتب باموق في روايته (الكتاب الأسود) : ( هناك صفحات في بعض الكتب تحفر في داخلنا ليس بسبب مهارة الكاتب، بل بسبب القصة التي تأسست بشكل تلقائي، أو بسبب التدفق التلقائي للقصة. وتبقى تلك الصفحات في داخلنا أو عقولنا أو قلوبنا كلحظة ألم داخلي أو لحظة مبكية مؤثرة
سنتذكرها على مدى سنوات كساعات الجنة في داخلنا أحياناً، وكساعات جهنم في أحيان أخرى. أو كليهما معاً في أحيان، أو خارجهما معاً في أغلب الأحيان، وليست كصفحات رائعة أبدعها الكاتب المتمكن من المهنة بقلمه ). (المدى ـ ترجمة : عبد القادر عبد اللي ) .
دأب باموق على تمويه مهارته الأدبية، أسوة برسامي ( النقش خانات )، إلا أننا لا نستطيع أن ننفي من عمله قدرته على تمثيل دلالات الهوى التركي الأصيل، في إطار مدينة استانبول، ملتقى روحانيات العشق الصوفي وغوايات الفكر العلماني، ومعبر رواياته من الشرق إلى الغرب.
محمد خضير