من ضمن العروض المسرحية المشاركة في الدورة العربية السادسة لمهرجان المسرح الأردني المقام حاليا في العاصمة الأردنية عمان عرض «الرقص مع الطيور» الذي قدمته الفرقة السعودية من تأليف وإخراج شادي عاشور الذي أثار جدلا ونقدا تضادت فيه الآراء والأفكار.

فهذا العرض يعتمد على الأداء التعبيري الذي يميل إلى الرقص، حيث تكثف لغة الجسد في محاولة لخلق تلامسات مع مسرح الصورة، ورسم المشهدية على إيقاع الموسيقى المستمر لطرح الأفكار الإخراجية وموضوعات النص.

العرض كان مفرحا ومبشرا بولوج المسرح الخليجي إلى مناطق هامة في تعبيرات الجسد في ظل غياب هذا النوع من الاداءات المسرحية عن حالة التمسرح الخليجي، حيث لا توجد إلى اليوم فرق مسرحية خليجية تخصصت في الاداءات الحركية وبناء المشهديات القائمة على التلقي البصري،

ولهذا فان المفرح في عرض الرقص مع الطيور هو كوكبة الممثلين أو المؤدين الذين أطلقوا العنان لتعبيرات أجسادهم ان تحل محل اللغة والحوار والمونولوجات الطويلة والإشارات والإيماءات الاعتيادية التي ألفها جمهور المسرح الخليجي، هذا الانجاز بحد ذاته يبرر نجاح أفراد العرض في تحقيق تواصل بينهم وبين جمهور المهرجان..

اما موضوعات اللوحات الراقصة فكانت أشبه بكباريه سياسي ينتقد فيه النص الأحداث الأخيرة بدءاً من أحداث الحادي من سبتمبر إلى احتلال العراق وتجسيد مشهد سقوط تمثال الرئيس العراقي السابق، في تداخلات وتقاطعات مع شخصية صلاح، وإدانة كبيرة للضعف الذي أصاب الأمة.

هذا الكباريه السياسي المعبر عنه بالصورة والإيماء الجسدي دخل في مناطق كثيرة من العرض في الخطاب المباشر، مع خلط كبير تخلله من خلال مقولات أرادها النص أو المخرج حينما أراد الإيحاء بأن مجموعة الممثلين في العرض ما هم إلا دمى تتقمص شخصيات شكسبيرية

ثم تعود لتكون غير ذلك..هذه الخطابات المتعددة خلطت كثيرا من أوراق اللعبة وهذا ما دعا العديد من النقاد والمسرحيين إلى انتقاد العرض واعتباره خلطة غير مكتملة ويشوبها الارتباك..

على الجانب الآخر قدمت الفرقة السودانية على المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي عرض «الصدى والآخر» وتناول العرض قصة توأمين متلاصقين الأول يمثل الفنان والآخر يمثل السلطة والحاكم والعراف الذي يمثل السلطة الدينية وجاء العرض قصيرا في زمنه، وينطوي على فكرة جيدة إلا ان إيقاع العرض ادخل شيئا من الملل إلى جمهور الصالة.

وعلى صعيد جلسات الندوة الفكرية المصاحبة للمهرجان قدم المسرحي البحريني خالد الرويعي ورقته البحثية تحت عنوان «فتنة التكنولوجيا في العرض المسرحي» تناول فيها تقاطعات الفن المسرحي مع ما توفره التكنولوجيا من خدمات لرسم الصورة المسرحية..

وقال الرويعي: لقد تطورت مكونات الاشتغال بالفضاء المسرحي بتطور الإمكانات والأدوات المساعدة وفي أحيان كثيرة تكون المخيلة دافعا قويا لابتكار هذه الأدوات.. فقد كانت الشمس حتى القرن السادس عشر هي مصدر الضوء الوحيد بعد استخدام النار في العصور القديمة..

والتكنولوجيا التي يشهدها العصر الحديث تم تصميمها لتلبي رغبة البشرية لكنها في الوقت نفسه تقفل عتبات المخيلة لما تتمتع به من امتدادات، والحال نفسه أشبه بالقفص الكبير، فإذا لم يكن الفنان المسرحي مستوعبا لمثل هذه المتاهات فسوف تكون الممارسة الجمالية للعرض المسرحي صدمة وانبهارا لما تستطيع التكنولوجيا ان تحققه، وعليه فان الركض وراءها سوف يكون بمثابة رغبة جامحة مصدرها فتنة التكنولوجيا..

ويضيف الرويعي: هذه الفتنة سوف تكون أشبه بحالة الاستهلاك التي يتمتع بها مستهلكو الجيل الثالث من الهواتف النقالة، في حين ان مثل هذه الهواتف تتعدى فكرة إرسال واستقبال المعلومات وباستطاعتنا حينها ان ندير تقنيا عرضا مسرحيا بأكمله بواسطة مثل هذه الهواتف، فإمكانات الصوت والصورة وتقنيات الإرسال والاستقبال السلكية واللاسلكية تجعل من الهاتف نموذجا فريدا في إدارة المشهد المسرحي بكل يسر.

ويؤكد الرويعي ان في التكنولوجيا ما يغري وما يفتن الفنان عن مشروعه الرئيس ولقد لاحظنا كثيرا من التجارب التي مارست تشويها متعمدا في مشروعها المسرحي لمجرد الانسياق وراء هذه الفتنة.

حيث يأتي المخرج المسرحي امام باب النص المسرحي الذي تمتد خيوطه باختلاف قراءته لكن هذا المخرج يقطع هذه الخيوط لمجرد الجاهز من الأشياء، فنراه يختزل حالات النص بصورة مرئية على جهاز العرض لتضيع حينها الحالة الجمالية لفضاء العرض من جهة وحالة الممثل البشرية من جهة أخرى.

وقال الرويعي في ختام ورقته المقدمة لندوة التكنولوجيا والمسرح: على المخيلة ان تبقى رياضية وان يكون فهمها للأشياء رياضيا أيضاً ولهذا سوف يكون على المبدع المسرحي تحوير فكرة الاستخدام التكنولوجي لما لم يخلق له أصلاً من الناحية الوظيفية، فأجهزة العرض عليها ان تتماهى مع الفضاء المسرحي بما يضمن للعرض نسيجا مترابطا وخلاقا في الآن نفسه، وهذه ينطبق على المؤثرات الصوتية..

تجدر الإشارة إلى ان المجال الفكري المصاحب لفعاليات الدورة العربية السادسة لمهرجان المسرح الأردني قد شابها كثير من الارتباك لجهة التنظيم، فقد غاب عن الندوة الكثير من المتداخلين، وفيما الغيت ندوات تطبيقية لعروض وأقيمت لعروض أخرى وكذلك شهد جدول العروض الذي ازدحم على خشبة المركز الثقافي الملكي

فجاءت أيام خالية من العروض، وتم إلغاء عدد من العروض كان يفترض ان تقام.. هذا الارتباك الذي لم تعرفه الدورات السابقة لمهرجان المسرح الأردني جعل المسرحيين المشاركين يقيمون أداء التنظيم في هذه الدورة بالأضعف.

عمان ـ مرعي الحليان