تجتمع الأخلاق الحميدة مع الكفاءة الفنية في رجل، وتبقى في انتظار ثالثهما وهي «الفرصة» التي تأتي متأخرة في أغلب الأحيان لا سيما بالنسبة للمدرب المواطن.. ففي ظل «عقدة» الخواجات يبقى المدرب المواطن «مهمشاً» لدى كثير من الأندية حتى لو كان مؤهلا تأهيلا عاليا.
نحن لا نتحدث عن التوطين كيفما اتفق، بل نتحدث عن لاعب شهدت له الملاعب بعلو كعبه، ثم تعب وجد واجتهد وانخرط في عدة دورات تدريبية منتظمة.. وتأهل ليأخذ دوره، رحلة أجاد فيها «مهدي علي» لاعب ذو مهارة عالية وأخلاق حميدة، وهيأ نفسه مدربا طموحا.. يكبر حلمه شيئا فشيئا كما الحال عند غيره من المدربين المواطنين ليأخذوا مكانهم مع المنتخبات الوطنية ومع فرقنا في الدوري العام في مقبل الأيام.
لعل الأضواء مسلطة دائما على اللاعبين والمدربين في المقام الأول، فيما وهجها يخفت عند حدود مساعد المدرب وإن كان هموم المدرب المواطن، كانت محور هذا اللقاء مع مساعد مدرب منتخبنا للشباب مهدي علي الذي نحاول سبر أغواره الكروية من خلال حوارنا معه ليضع بعض النقاط فوق الحروف المتناثرة في قاموس (مدربنا)، فحمل على عاتقه من خلال الحوار همومه وزملاءه غير قاصد التجني على المدرب الأجنبي، بل يأمل بمزيد من (الثقة) في المدرب الإماراتي.. وتاليا الحوار:
* نعرفك لاعبا مبدعا مع الأهلي والمنتخب الوطني، لكن هلا عرفتنا عن نفسك كمدرب والشهادات التي حصلت عليها؟
ـ بدأت التدريب عام 1998 في النادي الأهلي من خلال المراحل السنية لمدة خمس سنوات، ثم انتقلت للعمل كمساعد مدرب في اتحاد الكرة منذ 4 سنوات وأنا حتى الآن مستمر كمساعد للمدرب جمعة ربيع في الجهاز التدريبي لمنتخب الشباب.
وأنا خلال الفترة السابقة شاركت في جملة من الدورات التدريبية سواء محليا أم خارجيا، لكن أهمهما دورة الاتحاد الانجليزي وحصلت فيها على الرخصة الدولية للتدريب وهي مختصة في المراحل السنية.
ثم شاركت في دورة ثانية في إيطاليا، ثم حصلت على الرخصة الدولية من الاتحاد الألماني وهي تعادل شهادة A في مجال التدريب بعد أن تم ترشيحي من قبل اتحاد الكرة، بالإضافة إلى مشاركتي في عديد الدورات التدريبية التي نظمت في أبوظبي ودبي.
* كثيرون يرون أن مساعد المدرب «مهمة هامشية» في جهاز فني، في حين تسلط الأضواء على المدرب (الكوتش)، فكيف تفسر هذا «الفهم»؟
ـ للأسف يعتقد البعض أن مساعد المدرب مهمته إجراء عملية «التسخين» للاعبين ثم ينتهي دوره، لكن في حقيقة الأمر أن دور المساعد لا يقل عن دور المدرب في أي حال من الأحوال، فالإعداد البدني والمهاري مسؤولية المساعد، ثم يأتي دور المدرب المكمل من خلال الجانب التكتيكي والنفسي ولذا أنا أؤمن بأن دوري مهم للغاية ولا يقل عن دور المدرب.
* ولكن هل ستبقى «أسير» مقعد «المساعد» ولا تطمح لتولي الإدارة الفنية لفريق أو منتخب؟
ـ بحكم ظروف عملي الذي يحتاج إلى تركيز كبير مني وجهد وفير جعلني لا أفكر في الإقدام على تجربة المدرب (حتى الآن)، بيد انه بعد سن التقاعد سأتفرغ للرياضة وسأقوم بخوض التجربة.
* وجدتك تركز على الجانب العلمي في تدريباتك، فلديك الإحصائيات، والمعلومات الشاملة عن كل لاعب، بل إنك ترسم خطة اللعب التي سيعتمدها المدرب على «الكمبيوتر» لشرحها للاعبين.. هلا حدثتنا عن أهمية العلم في التدريب؟
ـ أي عمل يرتكز على أسس معينة، وإذا لم تكن هذه الأسس موجودة بالأساس، فلن يكون ناتج العمل بالشكل المطلوب، كما أن العلم موجود في جميع المجالات خصوصا في الإعداد البدني للاعبين وتطوير هذا الجانب، ولذا من الطبيعي والضروري أن نتابع أحدث التقنيات والبرامج العلمية لتطوير أداء التدريب لا سيما وأننا في النهاية ننشد الوصول للصورة الفنية الأفضل للاعب.
* لعلني لاحظت أيضا مدى التفاهم الذي يجمعك مع المدرب جمعة ربيع فشكلتما ثنائيا إماراتيا منسجما للغاية في حقل التدريب..
ـ يمتاز جمعة ربيع بأنه يجبرك على التعامل معه والتقرب منه والاندماج في شخصيته، وذلك لأسباب منها تعامله الراقي مع الآخر، واحترامه للطرف المقابل، ما انه يعطي المعلومة بشكل مباشر وشفاف، بالإضافة إلى أنه يمنحني المجال لأعمل بدون أية حواجز، وبكل أمانة فإنني تعلمت من جمعة ربيع أشياء كثيرة وله فضل عليّ بعد الله عز وجل.
* وماذا استفدت منه؟
ـ أشياء كثيرة، ليس كمدرب فقط، بل كشخص وأخ كبير، ومهما تكلمت عن جمعة ربيع فلن أوفيه حقه، ولعلني أقول لك درجة تقاربنا من بعضنا بأنه كثير ما يحدث بيننا ترابط فكري وتبادل للخواطر بشكل كبير جدا.
وضع سيئ
* بصراحة.. كيف تقيم وضع المدرب المواطن؟
ـ سيئ.
* ألهذه الدرجة ؟!
ـ نعم.. لأنهم يعتبرون المدرب المواطن للطوارئ فقط، رغم أن بعض المسؤولين يعلمون أن هذا المدرب يمتلك الكفاءة لكنه (المسؤول) يخشى الخسارة إذا أعطى المدرب المواطن فرصة، ولذا دائما نسمع مقولة «لا يملك الخبرة»، وأنا أتساءل كيف تأتي الخبرة للمدرب الإماراتي وهو لم يأخذ الفرصة ليتعلم منها.
* لكننا بتنا نرى «البعض» من مدربينا المواطنين كجمعة ربيع وعبدالله صقر قد قادوا فرقا عريقة في الدوري؟
ـ ذلك حدث في العامين الأخيرين حيث بدأت النظرة تتغير شيئا ما، ولكن في عموم الأمر على المدرب الإماراتي أن يبذل جهدا مضاعفا لتغيير الوضع الحالي والسابق.
* لنأخذ الموضوع من زاوية أخرى، لماذا لا يكون المدرب المواطن قد ظلم نفسه؟
ـ كيف رأيت انه ظلم نفسه؟
* هناك منهم من يفضل البقاء في التدريب في المراحل السنية بدلا من الفريق الأول حتى «لا يقال» بعد تلقيه هزيمتين أو ثلاث.. بمعنى أن روح المغامرة مفقودة؟
ـ إن تواجده في المراحل السنية لأنه لم يأخذ الفرصة، وأرى أنه من المفروض على الأندية حينما تتعاقد مع مدرب أجنبي أن يكون ضمن الطاقم التدريبي للفريق مدرب مواطن ليكسب الخبرة، وبما أنه توجد لدينا «موضة التفنيش» وتغيير المدربين بطريقة عشوائية، يكون حينها المدرب المواطن موجودا ويمكن الاعتماد عليه.
وأنا هنا أتساءل للمرة الثانية، طالما يتم إقالة المدرب الأجنبي فيما لو لم ينجح بعد 3 أو 4 مباريات، فلماذا لا يعطى المدرب الإماراتي الفرصة لا سيما وأن هناك منهم من نجح، ولكن رغم نجاحهم جيء بالمدرب الأجنبي..
* لكل ناد استراتيجيته...
ـ طالما هناك استراتيجية، كيف تريد رفع كفاءة الطالب ولا يوجد أستاذ مؤهل؟!.. هذا المثال يجعلني أتطرق إلى المميزات التي يحصل عليها المدرب المواطن والتي لا ترقى لمستوى موظف في شركة، فما تصرف هذه الأموال ببذخ على المدرب الأجنبي!
* وما هو السبيل لخلق قاعدة من المدربين في بلادنا؟
ـ من خلال وجود برامج تدريبية، لكن للأسف أين هي البرامج على مدار العام، كما يجب أن تكون متسلسلة لتؤهل المدربين. ولعل الأمر الجيد ما قرأته في الصحف عن إمكانية إنشاء وجود رابطة للمدربين.
إعداد «عكسي»
* هل يمكن القول إن منتخبات المراحل السنية تعد اللاعبين للأندية وذلك لضعف مسابقاتنا في المراحل السنية؟
ـ من خلال عملي في اتحاد الكرة ومع بدايات المدرب حرمة الله السباعي في الاتحاد أيضا، قمنا ببناء قاعدة بيانات لجميع اللاعبين الذين تم اختيارهم واختبارهم لمنتخبات 12 و14 و16 و18 سنة وقورنت مع نفس الفئة السنية للاعبين في أوروبا،
وتبين حينها لدينا وجود ضعف كبير في التحمل البدني، فيما أن السرعة جيدة لديهم وهذا يدل على أن مدربي الأندية يركزون في عملهم على السرعة. كما أفرزت الاختبارات وجود 95% من اللاعبين لديهم ضعف في (ضربات الرأس) وهناك ضعف في عمليات (الكنترول «السيطرة» على الكرة) والتمرير ولذلك قمنا بتأهل اللاعبين الذين مع المنتخب من جديد.
* برأيك لماذا هذا الضعف الذي أشرت إليه؟
ـ نتيجة لعدم تأسيس اللاعب بطريقة صحيحة في ناديه
* ربما نتيجة ذلك وجود «مدرس التربية الرياضية» كمدرب في النادي بعد (انتهاء دوامه في المدرسة)؟
ـ لا أرى عيباً في وجود مدرس التربية الرياضية مدربا للمراحل السنية بشرط إذا كان مؤهلا للتدريب ولديه برنامج عمل واضح ومدروس بأسس علمية، ويتم تقييم هذا البرنامج بشكل دوري، ولكن إذا كان المدرب متفرغا فهذا أفضل بلا شك.
الاحتراف..
* كلامك يثير القلق لا سيما وأننا طرقنا باب الاحتراف..
ـ نتكلم عن الاحتراف ونطبقه على الفريق الأول فقط، بيد أن الاحتراف الحقيقي يبدأ من فرق المراحل السنية، فعلينا أن نلقن اللاعب الصغير مفهوم الاحتراف وأن تقوم الأندية بهذا الدور إذا كان لديها توجه احترافي، ولكن الاحتراف ليس كل شيء.
* كيف؟
ـ حتى ينجح تطبيق الاحتراف في المراحل السنية لابد من تأهيل المدربين والكادر الإداري أيضا، وأن تكون هناك خطة عمل واضحة ونتائج معلومة ووجود جهاز طبي مختص واتباع الطرق العلمية في التدريب والتغذية.
الأبيض الشاب
* دعنا نفتح ورقة منتخبنا للشباب الذي بات على أعتاب «الآسيوية» لكنه مطالب بنقطة على الأقل أمام الكويت في مباراتهما المقبلة بدبي؟
ـ لدينا مجموعة جيدة من اللاعبين ويشكلون رافد أساسيا للمنتخب الأول ويمكنني أن أصفهم بالجيدين، ولكن نرجو من الأندية أن تشرك هؤلاء المواهب ولا تركنهم على مقاعد الاحتياط فقط ومن ثم تقتل موهبتهم. أما بالنسبة لمباراتنا المقبلة،
فعلى لاعبينا أن يدركوا جيدا أن الكرة تعطي من يعطيها، وبالتالي لا يعني اقترابنا من التأهل بأننا ضمناه، ولهذا السبب عليهم اللعب 90 دقيقة ليحققوا هدفهم المطلوب، ولذا أنا أعتبر أن مباراتنا المقبلة أمام الكويت هي أهم مبارياتنا في التصفيات لأنها ستحدد مصيرنا في المجموعة، لذا على اللاعبين أن يعلموا أنهم لم يتأهلوا (رسمياً) حتى الآن.
حاوره: عمر جمعة


