يستضيف متحف الشارقة للفن العربي المعاصر هذه الأيام معرض «الفنان المقيم» الذي تنظمه دائرة الثقافة والإعلام ضمن فعاليات برنامج بينالي الشارقة الدولي..
يشارك فيه ستة فنانين من فرنسا واسبانيا وفلسطين عبر أعمال تتجاوز التصوير الضوئي بحرفيته المعهودة وزوايا الرؤية ودقة اللقطة... والفيديو آرت بغرائبيته وتكثيفه ليصنع من الوهلة متعة ومن المتعة تشويقاً يزول بزوال لحظة التأمل.. ويتجاوز الفن المفاهيمي بتعقيده وإثارته لأسئلة عن سر الغموض أو عتمة الوهم..
إنها بكل بساطة أعمال تحاول أن تصيغ من الانطباعات آراء تؤسس لتراكمات معرفية، وترتقي بحوارات تكمن أهميتها ليس في أنها تنبع من رأي الآخر فينا وحسب، بل عبرنا أيضاً..
إن تجربة «الفن المقيم» وربما يمكن أن نطلق عليها تجربة «الفنان الزائر» لأن معنى مفردة «مقيم» ترمي عليها مرادفات كلمات أخرى ظلالا مغايرة، خاصة في دول الخليج..
إن هذه التجربة تكمن أهميتها في أن الفنان الزائر لبلدنا يشكل آراء تتجاوز بعمقها وطرق التعبير عنها الانطباعات الأولية، لأنها أولاً لا يمكن لها أن تتشكل إبداعياً دون أن تختمر في خلجات الفنان من جهة، ويضيف عليها أحاسيسه ونظرته للحياة والجمال عبر مرجعياته الفكرية والتاريخية وثقافته البصرية من جهة ثانية.
وهي بقاسمها المشترك «المكان وذاكرته» تختلف بين فنان وآخر في وقعها وتناولها، فكل فنان بالتأكيد يكون تصورات ما عن المكان الذي سيزوره، وتأكيد تلك التصورات أو تغييرها أو نسفها يتم بشكل نسبي بين فنان وآخر، وتشكيل تصورات جديدة يتبع أيضاً للاختلاف الأساسي بين شخصيات الزائرين..
وبين النظري والعملي تتدرج المستويات في التلقي والتعبير، وتموج الألوان كما تتفكك الصور، وتنزاح التراتبية للأولويات بانزياحات تتجاوز الإشارات والدلالات..وهنا يتخذ الآخر موقعاً جديداً بنظرته المختلفة للمكان وسكانه وعلاقاتهم الاجتماعية التاريخية..
فربما يسلط الضوء على قضايا نعتبرها في غاية البساطة أو التعقيد، وربما يركز على زوايا رؤية مألوفة لدرجة النسيان، أو يرى الأشياء والصور بألوان جديدة... وغير ذلك من التعبيرات والدلالات النابعة والتابعة من وإلى حوارات خارجية وداخلية يطل بها الفنانون الزائرون من نافذتنا على ذواتنا وذاكرتنا وأمكنتنا..
ولكن ماذا عن آليات تأسيس علاقة جدلية تراكمية لمثل هذه التجارب؟
من المؤكد أن أول ما تقدمه هذه التجربة للفنانين المشاركين هي فرصة للتفرغ، وبما أن هذه الفرصة لا تفرض على الفنان أي تصور، ولا تحدد له ما سيقدم من أعمال، فهذا يعني أن لإيحاءات المكان واحتكاك الفنان بالوسط الجديد المحيط به والبيئة الجديدة التي يتعرف عليها دور رئيس في الإلهام أو الاستنتاج أو الاستفادة أو التأثر والتأثير والتلاقح والتثاقف.. فهل ثمة أرضية لذلك؟ وعلى أي أساس يتم اختيار هؤلاء «المقيمين» بيننا والذين سيضيفون الجديد إلينا؟
وبما أنها تجربة عالمية المنشأ، جديدة التبلور في الشارقة، هل ثمة مقتنيات ـ بعيداً عن الفهم التجاري- لتجارب سابقة تشكل أرضية للمقارنة والدراسة والبحث من جهة، وأساساً للتراكم المعرفي من جهة ثانية، على الأقل أن نرصد نظرة الآخر إلينا وتطورها عبر تجارب قادمة، ضمن تأسيس ممنهج لذاكرة المستقبل؟
