تكبر القيمة الحقيقية للإنسان كلما اقترب من جوهر ذاته الداخلية وعبر عنها بكل صدق بحيث يكون كلام اللسان مطابقا تماما لما يعتمل في القلب من مشاعر وأحاسيس. وقلة قليلة جدا من البشر تستطيع الوصول إلى هذا النوع من التوحد وعدم الانفصام بين دواخلنا المكنونة وما نعبر عنه خارجيا أمام الناس.

ولسنوات طويلة حاول الفلاسفة تبرير التناقض الموجود لدى الفرد الذي يقول بلسانه عكس ما يجول في خاطره، واعتبر بعضهم ان هذا التناقض جزء من الطبيعة البشرية التي تحاول ان تتكيف مع محيطها الخارجي فتضطر إلى اختلاق الأكاذيب والمجاملات ربما بسبب الخوف من قول الحقيقة التي قد تكون جارحة أو صادمة للآخرين.

وقد يكون هذا جائزا في بعض الحالات، لكنه يتحول إلى مرض اجتماعي خطير إذا اتسع وانتشر في الكثير من تفاصيل يومياتنا ولغتنا وخطابنا الثقافي بحيث يصبح (التناقض) حالة مقبولة وعامة ويمارسها الجميع بلا اكتراث أو خجل من نفسه أو من الحقيقة.

ليراقب المرء لسانه في اليوم الواحد وليرصد كم المجاملات والكلمات والأقوال غير الحقيقية التي يطلقها ويتفوه بها، كلمات من مثل (نعم، حاضر، اهلا..الخ)، وليراقب أيضاً كم من الأشياء التي لا يريد فعلها لكنه يضطر (من باب العادة) إلى القيام بها، عندها سيدرك حجم التناقض الكبير الذي أصبح يسيطر عليه ويقسمه إلى قسمين بحيث يبطن عكس ما يظهر.

مدارس الفلسفة الحديثة تؤكد على ضرورة التخلص من هذه الثقافة إذا ما أراد الإنسان ان يعيش بسلام مع نفسه، والسبيل إلى ذلك هو في تبني ثقافة (لا) وجعلها أساسا لتعاملاتنا اليومية، ونحن في العالم العربي بالكاد نعرف كيف نقول (لا) للأشياء التي لا نريدها مقابل مليون كلمة (نعم) و(حاضر) التي نقولها من وراء القلب أو خوفا بسبب تكويننا الاجتماعي القائم على الطاعة والرضوخ.

لا يحتاج الأمر إلى المزيد من الشرح. إنها فكرة بسيطة جدا، ولكن لكي نحققها نحتاج إلى مجهودات شاقة وصعبة قد تقلب كياننا كاملا..وبداية الطريق ان نتدرب على نطق كلمة (لا) بصوت عال يوميا في الصباح أمام المرآة،

وان يقرر الإنسان أن يقول (لا) لجميع ما لا يرغب به، وان يتجرأ على قول كلمة (لا) في وجه المسؤول والصديق أيضاً إلى أن يصل الأمر إلى قول (لا) لنفسه. وممارسة هذا التمرين الشاق والصعب هو احد الطرق الأساسية للوصول إلى اكتشاف الذات وفهمها وتطهيرها.

كم قلت (لا) للحب وكنت أكذب

وكم قلت (نعم) للحب وكنت أكذب

أنا التائه عن ذاتي أناديك في الصمت

وحيدا وعاجزا وبالكاد أنطق باسمك

اسمك الذي حفرته منذ سنين وأنا مقيد

على الجسر الذي يصل النقيض بالنقيض

akhozam@yahoo.com