شغلت توظيفات التكنولوجيا في العرض المسرحي خلال العامين الماضيين، المسرحيين العرب بعدما بدأت مفردات التقنية تحقق البطولة الكبيرة في كثير من مناحي الإبداعات المرئية المختلفة.

ولهذا فإن المسرحيين ينظرون إلى توظيفات التقنية الحديثة بنوع من القلق خوفا على كلاسيكيات التوظيف التقني في المسرح الأصيل، خاصة وان المسرح يخضع في النهاية إلى لعبة توظيف أدوات التشكيل التي تجتمع فيه لتأثيث بيئة العرض وتكوين الصورة التي تحاكي مشاعر التلقي محددة بموضوعة ما يطرحه العرض المسرحي في دلالاته ومعانيه.

إشكالية التكنولوجيا الحديثة وتوظيفها في المسرح توظيفاً إبداعياً كان المحور الرئيسي للندوة الفكرية التي يطرحها مهرجان المسرح الأردني في دورته السادسة والمقامة في العاصمة الأردنية عمان.

فقدت عقدت صباح السبت أولى جلسات الندوة الفكرية «التكنولوجيا في العرض المسرحي» في محورها التكنولوجي في العرض المسرحي بين الخيال والصورة تحدث فيها كل من المسرحية اللبنانية شادية زيتون، المسرحي التونسي عبدالحليم مسعودي والمسرحي الأردني غنام غنام.

ودارت الأوراق المقدمة في أولى الجلسات حول المدى الذي يحقق فرجة مسرحية عالية الأداء ودقيقة التلقي دون تشويه العرض المسرحي ودون الاتكاء على التقنية الحديثة كجماليات زائدة وتجميلية.

حيث أشارت المتحدثة شادية زيتون إلى أن المسرح ومن القدم اعتمد تقنيات الصورة واللون والشكل لإحياء بيئة الحدث المسرحي وتهيئة دلالات العرض للتلقي السليم دون المساس بمعاني وأطروحات العرض على حساب التقنية الحديثة.

وكذلك أكد الأردني غنام غنام على أهمية التوظيف المستثمر للقتنية الحديثة التي تفيد في إيصال موضوعة النص والأداء التمثيلي. وقال غنام: في السنوات الأخيرة راحت التقنيات الرقمية والحاسوبية تدخل في العرض على الخشبة، بعد أن دخلته الحواسيب في برمجة النظام الضوئي والصوتي للعرض،

ونظام تبديل المناظر والمناخات (الواقع الافتراضي) وهو مصطلح أطلقه (جيرون لانيير)، ورغم أهميتها إلا أنها ظلت مكملات مسرحية، ولم تنجح برأيي محاولات العروض الضوئية البصرية المدعمة بالموسيقى والمجردة في تقديم عرض مسرحي، ولكنها قدمت عرضاً ضوئيا بصرياً لا أكثر.

وأضاف: إذا كانت السينما قد نقلت صورة الشخصيات خارج المسرح للمسرح، وداخل المسرح في ما يشبه اللقطة المكبرة لجلب الانتباه لتفاصيل محددة، فإن تقنيات الحاسوب والإنترنت قد منحت بعض التجارب فرصة تقديم عروض مشتركة تتم في نفس اللحظة في مكانين مختلفين من العالم، أو ما سمي مسرح شبكة الاتصال،

لكن هذه التجارب تحقق في كل موقع من مواقعها نصف عرض مسرحي ونصف عرض صورة مرئي، ولأن المسرح لا يقبل القسمة على اثنين فإنني أجزم أنها وبقدر ما شاهدته من عروض مسرح شبكات الاتصال لم تكن عروضاً مسرحية.

كما اتفق عبدالحليم مسعودي في ورقته على ان التقنية الحديثة بإمكانها ان ترتفع بالمشاهدة البصرية للعرض المسرحي اذا ما سخرها المبدع لخدمة دلالات ورموز العرض وبحيث لا تشكل ذلك العبء الثقيل على العملية المسرحية.

وقال مسعودي: إن استعمال التكنولوجيا في مجال الفرجة المسرحية يبقى استعمالاً مشروعاً من زاوية التجربة المسرحية إلى تطوير أساليبها التعبيرية خاصة وان الفن المسرحي بشكل عام يتميز بهذه المرونة العجيبة التي مكنته كفن قائم الذات من الاستمرار الدءوب منذ أزمنة قديمة، خاصة إذا كان هذا الاستلاف

وهذه الاستعارة نابعين من رؤية للعالم قائمة على وعي فكري نابع من احتياجات الفكرة التعبيرية نفسها سواء أتت إصلاحية او احتجاجية او نقدية وهو ما حدث في تجربة المسرحية الغربية الحديثة التي سعى فيها المخرجون إلى تطوير بلاغة الصورة المسرحية وتفعيل نجاعتها الدلالية عبر توظيف الصورة من خلال التقنية الحديثة.

واتفق المتحدثون الثلاثة على أن المسرح يجب أن يستفيد من التكنولوجيا العصرية في تكوين الفضاء المسرحي إذا ما تحقق الوعي الحقيقي بمدى الاستخدام وتوظيفها لخدمة الخيال دون المساس بالحساسية الشديدة لعملية التلقي،

حيث يبقى المسرح فضاء مفتوحا قابلا للتوظيفات في إطار اللعبة المسرحية طالما ان هذا التوظيف يصب في صميم العمل المسرحي ويدفع أحداثه ومؤثراته إلى الدلالات والإشارات الحقيقية.

وقد أثارت الأوراق الثلاث جملة من المداخلات والحوارات داخل الندوة اتجهت إلى أن الاستفادة من التقنية الحديثة تتطلب دربة جيدة على هذه التقنية، والمام المسرحي بتفاصيلها، وانه بالإمكان استنطاقها في الفضاء المسرحي إذا ما تم ذلك في إطار التوظيف الحريص على عدم المساس بالتلقي الطبيعي في العملية المسرحية.

على الجانب الآخر تواصلت مساء الجمعة على مسرح المركز الثقافي الملكي عروض الدورة العربية السادسة لمهرجان المسرح الأردني، حيث قدمت الإمارات العرض الثاني لمسرحية «البقشة»، وقدمت الجزائر مسرحية «النهر المحول» من إخراج حميدة آيات الحاج، وتتناول سيرة شهيد عربي يستفيق من سبات عميق ليجد نفسه في جزائر اليوم،

وليجد اسمه منقوشا على الرخام في مقام الشهداء، فيحاول ان يسترجع هويته لكن سلطات القرية تهدده وتنصحه بالرجوع من حيث جاء، وهكذا يبدأ الشهيد العائد في البحث عن هويته المفقودة.عرض النهر المحول يعيد طرح مسألة الثوابت

وتحولها في زمن غابت عنه بطولات الأبطال وتضحيات الشهداء.انه نقد صارخ تجاه ما يجري وما يحدث اليوم على امتداد الوطني العربي الكبير، حتى ولو اخذ العرض واقع الحال الجزائري اليوم.

عمان ـ مرعي الحليان