لم يكن اللقاء الذي ضمنا والروائية الجزائرية أحلام مستغانمي يهدف إلى حوار صحافي تم التحضير له فقد جمعتنا اللقاءات الجانبية التي تدور بين الحاضرين في مؤتمر المعرفة، وعندما تبادلنا التحايا وجدتني أمسك قلمي لأسجل كلماتها وأوثق لحديث فيه قدر عال من الصراحة المعهودة من كاتبة تعرف قدر نفسها مثل أحلام، وقد أدركت أن سماع تلك المبدعة يشبه قراءة أحد كتبها إذ تدهشك بصورها التي تتألق في كلامها بيسر وسهولة.

كان الحديث عن الجرأة التي كتبت بها نصوصها الأدبية مدخلا لتنطلق أحلام معبرة عن نفسها كما تراها وتعرفها قائلة (كنت امرأة محظوظة لأني محاطة برجال لا يقرأون ما أكتب فوالدي لا يعرف العربية كونه تعلم الفرنسية بشكل إجباري أيام الاحتلال الفرنسي للجزائر وزوجي له اهتمامات أخرى بعيدا عن مجالي وأولادي يدرسون في مدراس أجنبية لذا أمتلك حرية كبيرة في الكتابة كوني لست مقروءة من المحيطين بي بشكل مباشر.

ولكني مع كل ذلك امرأة خجولة لا أكتب للفت الأنظار، في وقت أجد فيه جيلا جديدا لا يهتم إلا بالأضواء الشهرة على حساب الأدب، وأنا مقتنعة أننا بالحياء لا نصنع أدبا ولا بالبذاءة كذلك، وأنا كاتبة الرغبة ولست كاتبة الشهوة، فالرغبة فيها حلم وفيها إبداع لأن أي شخص يمكن أن يكتب على الجنس لكن الإبداع يكمن في كيفية تقديم مثل هكذا موضوع في نص إبداعي.

@ هل تتفقين مع لقب الكاتب الكبير الذي يطلق هناك وهناك على الأسماء الأدبية المعروفة وغير المعروفة؟

ــ لا أؤمن بكاتب كبير أو صغير فالكاتب أما أن يكون كاتبا حقيقيا أو لا يكون، ويعرف الكاتب المتمرس بتواضعه لأن الكتابة حالة ذعر فهي تقربك من الناس، والناس يحبونك لأنك تشبههم وليس لأنك أفضل منهم، فنحن نرتكب الخطايا بدلا من القارئ ونكتب ما لا يستطيعون قوله، والقارئ يجد نفسه في ما يقرأ.

@ هذا يعني أن مادة الكتابة مستمدة من القارئ مباشرة؟

ــ بالضبط فالكاتب يتجسس على الآخرين ليكتب وقد نلتقي سائق تاكسي يقول حكمة يمكن أن تكون عبارة مهمة في النص الأدبي، وتمثل فلسفة يعبر عنها الكاتب ويدخلها في سياقات نصه.

@ هل ينبغي للكاتب أن يقدم الفلسفة في نصوصه؟

ــ في ما يخص الرواية أعتقد أنه لا بد أن تتوفر شروط في الرواية الناجحة فهي مثل حقيبة تهرب أشياء ممنوعة ولا بد أن تجتاز نقاط التفتيش، لذا يهرب الكاتب التاريخ والفلسفة والرأي في الرواية.

وعبقريتي الصغيرة كما أحب أن أسميها أني في روايتي تحايلت على أكثر من عشرين نقطة تفتيش وكتبي لم تمنع في أي بلد عربي ما عدا بعض الكتب التي تمنع بسبب عنوانها وهي لا تحمل ما تحمله كتب سعودية من أمور لا أكتبها حتى لنفسي، وأنا أكتب كما أتكلم عن نفسي ولا أقدم ما أشعر أنه بذيء ولا يستحق النشر.

@ ألم تندمي على شيء كتبتيه سابقا؟

ــ أندم أحيانا على بعض الكتابات لكني أضطر إلى نشرها بسبب الالتزام بالنشر الأسبوعي في المجلات، أنا لا أحاول جمع تلك المقالات لكني وجدت أن بعض المعجبين بكتاباتي جمع ووثق تلك المقالات في مواقع الانترنت.

@ كيف يمكن أن تري نفسك؟

ــ أنا امرأة عاطفية وسريعة الانفعال وساذجة وأعتقد أن السذاجة من صفات المبدع، وأنا خدعت كثيرا ومن فرط خسارتي أصبحت كاتبة.

@ هل يمكن للكاتب العربي أن يحصل على الثراء المادي من الكتابة؟

ــ الكاتب العربي يموت جوعا إذا فشل أما إذا نجح فهو يصنع ثراء الآخرين حيا وميتا، إذ يستفيد منه الناشرون وصانعو الأفلام وغيرهم، وهو مجرد من حقوقه إذ أن الخادمة لها حقوق أكثر من الكاتب فحين تسجن الخادمة تتدخل سفارتها للإفراج عنها ومتابعة قضيتها وحين يسجن الكاتب لا يلتفت إليه أحد، وهو دائما مطالب بأن يبقى واقفا ويستمر في تقديم قضيته والدفاع عنها.

ونحن نصبح مواطنين لحظة موتنا فقط فالكاتب لا ينال ما يستحق في حياته، ولا أدري ماذا نكلف الأمة العربية لو رصدت مبلغا لكتابها ليستطيعوا العيش بكرامة والتفرغ للكتابة والإبداع، بعض الدول تنفق ثلاثة مليارات دولار على الزهور ونحن نباتات تنتج أدبا فلماذا لا نجد اهتماما وضمانا لحياة جيدة في وطننا، لقد كتبت ذات مرة حين نفقد وطنا نكتب رواية، والفقدان أوصلني اليوم إلى مواصلة الكتابة.

@ في مقابل هذا الاضطهاد، ماذا عن قرائك؟

ــ لقد سعدت حين عرفت أن مجلة فوربس أعلنت في إحصائياتها أن كتبي من أكثر الكتب العربية مبيعا، وقد تم اختياري من النساء العشر الأكثر تأثيرا في العالم العربي، وقد كنت قبل تلك الإحصائية قد بدأت أشعر بعدم جدوى الكتابة،ولكني كما قلت في منابر إعلامية أخرى عندما تشهر قلما فأنت جيش قوامه عدد قرائك، وأنا لدي مليونان من الجنود.

وبالتالي لدي مسؤوليات اتجاه جنودي، وحصل أن حضرت محاضرة وبادرتني إحدى الأمهات قائلة: نحن نستأمنك على أبنائنا، وأنا أعتذر لأني كاتبة ولست مصلحة، فقد جعلني هذا الأمر أكثر رعبا فليس من حقي أن أخطئ لأنني أمام مسؤولية هؤلاء القراء الذين يمكن أن نخسرهم إن لم نحسن الفعل والقول لذا فإن قرائي هم الذين يمنحوني الشعور بجدوى الكتابة والقدرة على التغيير.

دبي ــ دلال جويد