تتواصل فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري في الشارقة، وهي الفعاليات التي تنوعت بين معارض التشكيل والأمسيات الشعرية، والندوات الأدبية، وهذه الأخيرة كان الموعد معها مساء أمس الأول على مسرح قناة القصباء. وقد ضمت اسمين مهمين في سماء الثقافة العربية هما الدكتور عبد الحميد بو رايو الباحث في التراث الشعبي الجزائري، والروائي واسيني الأعرج.
وقدم للضيفين د. عمر عبد العزيز. وبدأ د. بو رايو ببحث في التراث الشعبي الجزائري، متناولا إياه من عدة أوجه بدءا من المحاولات الأولى لكتابة الرواية حيث وضح في بحوثه المقاصد والفضائل لهذه الدراسات، كما تناول الأدب الشعبي الجزائري بأوجهه المتعددة وخاصة ما يتعلق بالمفردات المتكئة على الأدب الروائي الذي يستدعي شكلا من أشكال الرواية الغرائبية والعجائبية.
وكانت الجوانب الثلاثة التي ركز عليها بو رايو، تتمثل في تاريخ الحركة البحثية في مجال الثقافة الشعبية الجزائرية، وبدايتها، وتطورها، و نتائج هذا البحث. كما تناول مظاهر الإبداع في الثقافة الشعبية، وما يميزها. مشيرا إلى بعض الممارسات الخاصة بالثقافة الشعبية، والجانب الثالث يتعلق بتفاعل عناصر الثقافة الشعبية مع مظاهر الأدب المكتوب في الجزائر.
مؤكدا أن العناية بالبحث في الثقافة الشعبية بدأت مبكرا وأعادها إلى القرن الثامن عشر عندما قام ابن حمجوش بوضع كتاب بعنوان «كشف الرموز» جمع فيه مختلف مظاهر الثقافة الشعبية المتعلقة بالتطبيب والنبات، وظل هذا الكتاب متداولا في جميع أنحاء المغرب العربي.
والملمح الثاني لهذا الاهتمام جاء من احد رجال النخبة وهو عثمان بن حمدان صاحب كتاب «المرآة» الذي وضع كتابا يحتج فيه على الاحتلال الفرنسي ويريد أن يبرز ويظهر هوية الجزائريين وعدم الإيذان بأن يندمجوا في جسد الكيان الفرنسي الاستعماري في ذلك الوقت، وكان يشير إلى بعض العادات والتقاليد والمظاهر الشعبية في الجزائر.
كما أشار إلى أن تأليف هذه البحوث بدأ ونحن تحت الاحتلال الفرنسي بين جيش مدجج بالسلاح ومدجج أيضا بوسائل أخرى منها الوسيلة الثقافية والوسيلة العلمية وجاء الفرنسيون ليدرسوا هذه الشعوب ويعرفوها جيدا ليتمكنوا من استعمارها.
بعد هذه الفترة جاء المدرسون المستشرقون المتخصصون في الحضارة الشرقية وفي الحضارة العربية واختصوا في الثقافة الجزائرية وكانوا يدرسون في مدارس أنشئت في نهاية القرن التاسع عشر لكي تشكل جيلا أو نخبة تكون من الجزائريين ويكونوا وسطاء بين الإدارة الفرنسية وبين الشعب. بعد هؤلاء المستشرقين تحول قلة من تلاميذهم إلى البحث في الأمثال الشعبية والحكايات.
وبعد الحركة الوطنية التي تأسست وانتشرت ظهر المسرح الجزائري وكان التراث الشعبي هو منبع الموضوعات ومنبع بعض العناصر الشكلية في المسرح الجزائري الذي تأسس، بمجموعة من رواد المسرح الجزائري الذين انتقوا من حكايات جحا وما كان يدور بين الناس وصنعوا منها مسرحيات لجميع الفئات.
ومع الحرب العالمية الثانية نجد القليل من الروائيين الجزائريين والرواية الجزائرية المكتوبة والذين أيضا استلهموا من التراث الشعبي واستعرضوه، على الرغم من أنهم كتبوا بالفرنسية، ولكن علاقتهم بالعربية قوية جدا حيث قاموا بتصوير الجماعات الشعبية وتفاصيل الحياة الجزائرية.
مضيفا أنه بهذه الأعمال بدأنا نلحظ تغيرا في الموقف الفرنسي. وبدأ تقديم بحوث أكثر موضوعية وأكثر اقترابا من هذا التراث بمنهجية بدأت تختلف عن تلك المنهجية، التي ظهرت وهي في ظل توجه إداري قمعي مفرنس في التعليم والثقافة.
أما التوجه الثاني فقد التف حول التراث الإسلامي والتوجه إلى الأولويات، وغالبا ما كان قوميا عروبيا إسلاميا، باعتبار الثقافة الشعبية هي فلكلور يدل على التخلف وبالتالي فإن المجتمع ليس بحاجة إليها.
رحلة الرواية الجزائرية
أما الروائي واسيني الأعرج فقد قام بعملية (تحقيب) لمراحل الرواية الجزائرية. مؤكدا أن الأقدار شاءت أن تكون الجزائر المهد الأول لأول روايتين ظهرتا في العالم وهما «الحمار الذهبي» التي ظهرت في القرن الثاني الميلادي، وبدون استثناء يعتبرها كل النقاد الذين يؤرخون لتاريخ الرواية أول نص اقترب.
مما يسمى اليوم بالرواية، وهو ما يعني أنها اللحظة الأولى ليتطور جنس أدبي بكامله، ويتطور في ما بعد ويتحول إلى جنس مستقل، والثاني وهو «دون كيشوت» لسرفانتس في القرن السادس عشر. و«دون كيشوت» نشأت في الجزائر كذلك.
وشاءت الظروف أن يكون سرفانتس محاربا في فترة الصراعات الدينية بين المسيحية والإسلام، ثم يسجن في الجزائر في القرن السادس عشر 1575 ويبقى فيها خمس سنوات ومع مرور السنوات حاول أن يهرب، ومع محاولات الهروب فإن كل التشدد الديني الذي كان موجودا عند هذا الرجل انقلب إلى حالة من التسامح.
فقد كانت لديه صورة بأن المسلم والعربي القادم من الأندلس واستقر في الجزائر وفي غيرها قاتل ومجرم ولا يرحم ولكن التجربة والحياة اليومية مع الجزائريين دفعت به إلى تغيير هذه النظرة، وعندما حاول أن يهرب في مرة من المرات واختبأ في مكان يسمى اليوم مغارة سرفانتيس وبدأ يفكر في كتابة هذا النص الروائي ومنه يأخذ هذه الرواية التي تعتبر أول رواية بالمعنى الحديث، فرواية «الحمار الذهبي» تأتي بالمعنى التأسيسي وبداية استقراء الجنس.
أما هذه فقد استقر بها الجنس الروائي. وهي نص عالمي وفيه ثلاثة فصول مخصصة للجزائر، تحدث فيها عن الجزائر في فترة مابين القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، وهي صورة مثل الصحافة اليوم تصف الأحداث، وتصف يوميات الناس و..إلخ.
ثم هناك التأسيس الثاني عندما أصبحت الرواية الجزائرية قائمة بذاتها كما كتب عبد الحميد بن هدوجة في العام 71 رواية ريح الجنوب التي صدرت كأول نص روائي بالمقاييس الكلاسيكية الغربية تحديدا، ما دمنا في تاريخنا العربي نؤسس بهذه المقاييس، بمعنى انها نموذج كبلزاك وفلوبير وغيرهم.
أما الرواية النسوية فيؤكد الأعرج أن أول رواية ليست لأحلام مستغانمي، وإنما لزليخة السعودي التي كتبت نصا بعنوان الطوفان نشرت منه ثلاث حلقات في جريدة يشرف عليها الطاهر وطار في ذلك الوقت، ولكن توفيت زليخة في عمر مبكر، والحلقات الثلاث هي مشروع بدأت به الكاتبة ولكن لم يجد الفرصة ليتم.
أما أول رواية مكتملة نسبيا فهي رواية يوميات مدرسة حرة كتبتها زهور ونيسي باللغة العربية، بعد ذلك كتبت أحلام مستغانمي ذاكرة الجسد، وهي رواية ذات قيمة فنية كبيرة تجاوزت بها الكثير مما أنتج سابقا. خالصا بالقول: كنا أمام لحظتين تأسيسيتين في التاريخ؛ لحظة أولية بكل اختلاجاتها وصراعاتها اللغوية والموضوعاتية، ولحظة ثانية هي أكثر استقرارا وأكثر نضوجا.
ولم تتوقف الرواية الجزائرية عند هذه الحدود لأن هناك جيلاً اخذ يدفع بالرواية الجزائرية إلى الأمام، ومنه بقطاش في (طيور في الظهيرة) وهي سيرة ذاتية، وهو الذي فتح الباب لسيل من الكتّاب الشباب خاصة ممن تثقف باللغة العربية بعد الاستقلال وحظي بفرصة التعريب.
تغطية: فاطمة محمد الهديدي
