اختتمت ندوة «الفنون الفطرية في التشكيل العربي» أعمالها مساء أمس الأول في دار الندوة، بجلستين، الأولى التي أدارتها الدكتورة هند صوفي من لبنان، ضمت ثلاث أوراق عمل قدمها كل من الباحث محمد ديوب من سوريا، علي النجار من العراق، والدكتور عبد الكريم السيد من فلسطين...
بدأها الباحث ديوب بورقته التي تبحث في المدلول الفطري لدى الفنان التشكيلي محمد طليمات، وفيما إذا كان هذا المدلول حالة عفوية أم مسارا اختيارياً، موضحاً أن طليمات مهندس مدني عاش فترة طويلة أسير اغتراب، وتجربته موغلة في الطفولة، وشخصياته محببة للقلب ولطيفة وتجعل المشاهد منفعلاً معها ولو بشكل عاطفي، وكأننا ندخل إلى عالم طفولي طريف ومحبب ليخرج من الجمود في التجريد، وهذا ما تمليه عليه شخصيته ورغبته، لأنه يتعامل مع اللوحة بمحبة، فتنعكس احتفاليته باللوحة إلى مشهد بصري مختلف..
تجارب أولى
الفنان التشكيلي والناقد علي النجار من العراق، الذي بحث عبر ورقته في التجارب الفطرية العربية الأولى عامة، ورأى أن ذاكرة الشعوب تبقى يقظة، لكنها متشعبة المسالك، وتتوزع ما بين أنشطة فطرية وأخرى عقلية ومعرفية واجتماعية متعددة، وقد تتشظى أو تضمحل أو تتوسع بعض دوائرها المعرفية الثقافية بتقادم أزمنتها.
لكن سوف يبقى للفطرة مقام خاص ضمن هذه المسالك، كونها كانت ولا تزال تسكن في العمق من ثنايا الطبقة العميقة من مكونات الجينات الإنسانية أو بذرتها الأولى.. أكد أن الرسوم العراقية الفطرية أخذت منحى مغايراً عن عموم الرسوم الفطرية العربية، كونها - خاصة في منطقتي الفرات الأوسط والجنوب - تميزت بالاشتغال على تشخيص الرموز الدينية وعلى الرسوم التمثيلية لوقائع تاريخية دينية أيضا..
وبأحجامها التي تقارب اليافطات الإعلانية، سواء كانت تمثل حدثاً مفرداً أو سلسلة أحداث متعاقبة، شكلت فولكلورا لتكرار تقليد تفاصيلها، أو استنساخها أحيانا كثيرة بمرور الزمن، كما أن معظمها ابتعد عن طريقة الداء المسندي التقليدي، لذلك بقي النتاج النحتي الفطري هو الأبرز في هذا المجال في العراق مع استثناءات نادرة..
تراكمات الصحراء
«يصقل الفكر الإنساني أحيانا بالفطرة، فيشمل نقطة إبداع وعلامة استفهام في الوسط، وفناننا اليوم أحمد الأنصاري فنان فطري أطلق ريشته في تراكمات الصحراء والبحر ونقاء الذات.. فكانت بريئة صادقة، أطلقها بقعة لونية بأسلوبه الخاص ولألوانه التي يختارها بما يناسب رؤيته لموضوع عمله، فضربات ريشته الطويلة والمسطحة دون أن يبدي قليلا من العناية للمنظور والظل ومحدودية الألوان المستخدمة، وغير ذلك.. كل هذا من مميزات الفن الفطري الذي يمثله..
هذا مما قاله الدكتور عبد الكريم السيد في بحثه عن الفن الفطري في الإمارات عبر ورقته» الفن الفطري: بين هنري روسو واحمد الأنصاري «التي يرجع فيها لتجربة روسو مبيناً الظروف الحياتية التي مر بها عامة وخدمته في الجيش خاصة ورفض الوسط الفني له في بداية مشواره ثم وصوله فيما بعد للعالمية...
ومن ثم يعقد د. السيد ما يشبه المقارنة أو المقاربة بين التجربتين، ليس لأن الأنصاري عمل في الجيش أيضا، بل لأنه قدم الكثير للفن التشكيلي في الإمارات، مستعرضاً تجربته الفنية الطويلة وأعماله والمعارض التي شارك فيها في الداخل والخارج.. ومن ثم الجوائز التي حصل عليها، والاهتمام والتكريم الذي ناله من المؤسسات الرسمية والمجتمعية والمسؤولين في الدولة وفي دول مجلس التعاون الخليجي..
التوصيات
الجلسة الثانية التي أدارها مدير المركز العربي للفنون الناقد طلال معلا من سوريا، استعرضت محاور الندوة بشكل موجز، وناقشت الجديد المضاف عليه، وفتحت الباب للحوارات النهائية والمقترحات، ومن ثم أعدت التوصيات وهي:
التوصية بتشكيل فريق عمل بحثي لأغراض المسح الميداني لرصد مظاهر الفنون الفطرية ومنتجيها على صعيد المساحة الجغرافية لكل قطر، وتوحيدها بالصورة والصوت والعمل على تصنيفها ودراستها. وإصدار بيان حول إعادة اعتبار الفطرية. والتفكير في إنجاز دليل مرجعي لتجارب الفنانين الفطريين العرب في شكل معجم تعريفي ووضع تأريخ منهجي للفن الفطري العربي يغطي المناطق والأقطار كلها.
وعقد مؤتمر عام من أجل توحيد المصطلحات المترجمة، التي تربك الباحث بتعددها وتعميم التدقيق في معانيها. والتوصية بتنظيم معارض كل ثلاث سنوات (مثلاً) للفنون الفطرية، التي تنتج في العالم العربي والفنون التي تتفاعل مع الحداثة وما بعد الحداثة والمنطلقة من رحم الفطري. ووجوب حل إشكاليات أمية الفنانين الفطريين الحاليين وإقامة الفعاليات والحوارات الخاصة بالندوة في مقرات المؤسسات التعليمية وذلك بالتعاون معها لتعميم الاستفادة والانتشار المعرفي.
وإعادة طبع الكتاب بصيغة ملونة وتوسيع الوقت أمام التنظيم لإصدار طبعة فاخرة. وبعث بنك معطيات والعودة إلى التأليف حول هذا الموضوع لإعادة صياغة التأليف في وضع أكثر دقة ومنهجية. وإحداث موقع الكتروني لتوثيق أعمال الندوة.
الشارقة ـ محمود أبو حامد
