واصلت ندوة »الفنون الفطرية في التشكيل العربي« التي تقيمها دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة أعمالها في دار الندوة لليوم الثاني على التوالي، عبر ست أوراق عمل توزعت على جلستين، تناولت عدة محاور بحثت في بدايات هذا الفن وعلاقته بالاستعمار ونظرة الغرب التهكمية والساخرة له في المغرب العربي خاصة..
وبحثت في العلاقة بين المبدع لهذا الفن ومتلقيه، والعلاقة بينه وبين الفنون التشكيلية الأخرى وصولا للفنون المعاصرة والمستقبلية، ورواد هذا الفن عبر منعم فرات كنموذج لما قبلهم..
أدار الجلسة الدكتور فاتح بن عامر من تونس، وابتدأها الباحث إبراهيم الحيسن بورقة تتناول الرسم الفطري في المغرب وما صاحبه من إعجاب أجنبي ساخر، عاد فيها إلى بدايات الفن الفطري هناك.
مؤكداً أن ظهوره لأول مرة في أوائل الثلاثينيات كان مرتبطاً بالاستعمار بهدف تقديم المغرب بصورة متخلفة وبدائية، ودالاً على ذلك بأمثلة من الرسامين العفويين انقسموا إلى جماعتين، جماعة الرباط، وجماعة مراكش ممثلتين بمجموعة من الرسامين الفطريين، واستعرض تجارب بعضهم بالتفصيل.
ومن ثم انتقل إلى المدارس الفنية التي أسسها الاستعمار الاسباني والاستعمار الفرنسي، والنظرة التي يوجهها كل منهما للفن الفطري في المغرب، موضحاً أن سياسة الاستعمار لم تكن تهدف إلى نشر الوعي التشكيلي والجمالي في المغرب بقدر ما كانت ترمي إلى طمس هوية الحضارة المغربية الأصيلة وتشتيتها والتحكم في آلياتها الثقافية.
المبدع والمتلقي
ورقة الباحثة سوزان عبد الواحد من مصر هدفت إلى توضيح تمايز الفنان الفطري عن الجمهور عبر إبداعه، فهو ليس ذاك الفنان الذي يجهل كل شيء، وإنما هو إنسان يلجأ إلى تقنيته الخاصة ليعبر عن حقائق يدركها دون أن يتبع أية معايير، بل مقاييس ذاتية، وأن كان ثمة عودة أو اتكاء على ذكريات الطفولة والحكايات والمخلوقات والأزياء والفلكلور.. فأيضاً للخيال دور حيوي يكشف لنا عن المقومات الشخصية التي تقوم بالانتقاء وتظهر الذاتية التي تستتر وراء عملية الاختيار..
وتؤكد الباحثة سوزان أن الفن ليس تقليداً للطبيعة، فالفكرة الأساسية هي الحرص على ترجمة روح العصر، ولذلك في قراءتنا لتجارب الفنانين الفطريين ينبغي الكشف عن القواعد والمبادئ التي ينبغي أن يترسمها الفنان في إنتاجه، يليها دراسة العمليات المصاحبة للإلهام، ودراسة الآثار الفنية للمجتمع، يلي ذلك دور الجمهور والنقاد.
الباحث عبدالله أبو راشد من فلسطين، يرى عبر فهمه للعمر الزمني والعمر الفني أنه لم يؤرخ أو يوثق بشكل قاطع ونهائي، أي تاريخ زمني محدد يدل على بدايات الخطوط الأولى للإنسان المتصلة بتجلياته التشكيلية والخطية المنتمية لمفاعيل الفن الفطري، وإن لمسنا آثاره وتداعياته المحفورة على جدران الكهوف..
الفن الفطري متوالد في سماته الوراثية مع الجينات البيولوجية للإنسان الأول، المتوافقة ومساحات وعيه وإدراكه.. والمتناسبة طرداً مع عمره الفني كمؤشر دلالي، لا يتساوق وعمر الإنسان الزمني في ارتقائه وتداعياته، من كونه يعيش في حالة طفولة دائمة وكامنة، لا تتطور إلا بالتعلم والنضج الانفعالي والخبرة.. فالعمر الزمني يسير في دائرة الحفاظ على الوجود وبقاء النوع البشري، أما العمر الفني فإنه يدور قي فلك الفنون الفطرية الساذجة والبحث عن مسالك التوثيق وتخليد الأثر وتمجيده..
ويرى أبو راشد أن رسوم »روسو« شكلت مقدمة طبيعية لولادة الفن التكعيبي والتصوير المجرد باعتبارهما دعامتين أساسيتين للفن الحديث، ويعد الفن الفطري حلقة وصل فاعلة ما بين الفنون الحضارية والبدائية والفنون المعاصرة والحديثة.. وبعد تناوله للفن الفطري في دلالات المصطلح، ومرجعياته والمشتغلين في مداراته، تناول الفن الفطري العربي من خلال منتجي مقاماته البصرية في سياقاته التاريخية والمعاصرة.
من حيث الموضوع والمحتوى الشكلي والتقني وفق أنماط فنية تشكيلية في أربع رؤى: فنانون فطريون بالسليقة العفوية أخذتهم ميولهم من بوابة الحرفة المتوارثة، فنانون عزفوا على أنغام الفن الفطري بعد عبورهم سن التقاعد، فنانون أكاديميون درسوا الفن في المعاهد والجامعات المتخصصة، وفنانون متناسلون من واحة تخصصات ثقافية وفكرية من غير واحة الفنون والصنائع الحرفية..
سيد النحت الفطري
»مساء الأربعاء، الثاني من أغسطس عام 1972 وجدوه ملقى على رصيف أحد شوارع بغداد، كفه مضمومة على بضعة من أعشاب تشبث بها لحظة احتضاره... لقد دهسته سيارة مجهولة ومات، فلم يعد يبيع »طيور الحب«.. إنه منعم فرات.. أو نعيم بربوت وادي الذي ولد في كرخ بغداد عام 1900«.
بهذه المقدمة بدأ الباحث والناقد التشكيلي محمد الجزائري من العراق مشاركته في الجلسة الثانية التي أدارها أيضاً الدكتور بن عامر، وضمت يارا معلا من سوريا، والدكتور عمر الغدامسي من تونس.. فالراحل منعم فرات الذي استبدل كنيته بالنهر الذي يمده بالحياة والألوان والطين والرؤيا..
ليس سيد النحت الفطري وحسب، بل سيد الفن الصافي أيضاً، وهناك من النقاد - يضيف الجزائري - من اعتبره الحلقة المفقودة لما اتسمت به أعماله من عفوية، وهناك من يذهب بفرات أبعد من ذلك باعتبار عفويته هي العفوية التي نشدها بيكاسو ولم يصل إليها..
حتى أن الناقد الايطالي »البرتو تشاتيني« المختص بالفن الساذج، قال عن فنه إن هذا الفن يمثل الاتجاهات الفنية في كل القارات، من الاسكيمو إلى الهند والمكسيك إلى جزر الاوقيانوس.. ويمثل الفنون البدائية والعراقية القديمة، كما يمثل الأصنام الجاهلية الأولى..
ويرى الجزائري أن تأملاً دقيقاً في أعمال منعم فرات يجعلها تفصح لنا عن صرخات محمومة، فكرية ونفسية وجنسية، ولعل هذا هو ما منحه القدرة المستمرة على الابتكار، واللعب بأشكال الحجر برؤية تتجاوز »خارج الأشكال« إلى »جوهرها«.. وبرغم ما يمكن أن نقدمه من تفسيرات عن هذه الأعمال، فإنها تظل تمثل نوعاً من الممارسة السرية المحاطة بغموض كثيف، وحتى هو نفسه لم يكن يستسيغ الكشف عن ذلك.. فهل هي صوفية من نوع ما؟
ويعتبر الجزائري أن أعمال فرات بمثابة استجابة للحالات كلها التي كان يعيشها، والذي يبدو »كشفاً« لعلائق إنسانية تتشكل عنده على نحو خاص، إنما هو نوع من الاطمئنان للحالات التي اكتسب عنده وجودها مرحلة اليقين، إن بالرفض أو القبول، فجسدها بمباشرة وفطرية وصلت حد الدهشة، فهو لم يكن يحطم الواقع ليعيد تشكيله، إنما كان يعريه من خلال قدراته التعبيرية، ومن هنا، يمكن اعتباره ممثلاً أصيلاً للفن الأصفى الذي لا يعاني نوعاً من أنواع الفصام، لكونه سيد الفن الفطري وسيد الفن الصافي.
ختام الجلسة كان بورقة قدمها الدكتور عمر الغدامسي من تونس جاءت تحت عنوان »الفن الساذج.. من البرية إلى النمطية« بحث فيها تاريخية الفن والقطيعة مع الفنون الأخرى، وخصائص الفن البري التأسيسية والأسلوبية وغيرها، مستشهداً بتجارب فنية من تونس مؤكداً أن كل التجارب التي تعد الآن مرجعية، ولدت في البرية.
إضاءة
دعت يارا معلا في ورقتها للتفريق بين الفن الفطري والفنانين الآخرين المستخدمين لتيماته، ورأت أن الفنون الفطرية تعتمد بشكل أساسي على التشخيص، ينتجه أناس من عامة الشعب باعتمادهم على مشاعرهم ومهنتهم متكئين على ذاكرة موغلة في القدم وأبطال شعبيين وروايات وحكايات..
وفصلت في علاقة الراوي بهذا الفن وتتطوره وسط مجتمع يتقبله مع تطور الموروث البصري.. وتطرقت معلا لغاية الفن الفطري الوظيفية، كالتزيين والعلاج والسحر وما يتعلق بالأمور الدينية.. مستشهدة بتجارب كثير من الفنانين الفطريين السوريين.
الشارقة ــ محمود أبو حامد
تصوير: خالد نوفل
