هل يمكن أن نتخيل أن الضوء يترك في العتمة أثراً ما حتى بعد زواله، ونتطاول فطرياً على تعاقب الليل والنهار أو هل يمكن لذاكرتنا البصرية أن تختزن أو تختزل في غفلات عتمتها حكاية أو حتى طرفة عن وشم تركه الضوء على كتف ظلمة عابرة أو حتى سَحَر يتباهى بخنوثته.. أو هل لضوء وعينا أن يترك ندبة «حرباء» تجوب كغانية مموهة أبعاد التلوين في أسفار التكوين؟

هذه الأسئلة التي تحاكي المستحيل بهمس موارب، وتصرخ في وجه الصدى، ثمة إجابات لها تشكل حيزاً وهمياً أحياناً، وتصورا حقيقياً وواقعاً فجاً أحياناً أخرى، وتمظهرات تكاد تكون شبه مكتملة لوهلة ما، أو تعيد رونقها تدوينات في غاية الأثر لحقيقة ما... أو تترك ندبة ربما تكون لضوء خاطف هنا وهناك..

ثمة ندوة نظمت قبل أكثر من عشرين سنة في مدينة مكناس، دارت حول القصة القصيرة وحضرها وشارك فيها نخبة من النقاد العرب وكتاب القصة الذين تم تسليط الضوء عليهم حينها بوضوح وربما بانبهار.. وها هي السنون تطوي الندوة ويرحل من يرحل ويغيب من يغيب وتلف العتمة من تلف.

ومن مكناس للشارقة تضيء سماء غربتنا واغترابنا وبحثنا المعرفي الكثير من الحزم الفوسفورية، وحتى آخرها كان حزماً «ليزرية» جابت فضاء دهشتنا بألعاب نارية وبخصلات من غبطة وفرح، وتوجتها فعاليات ولقاءات وحوارات وندوات..

من ضمنها كانت فعاليات دائرة الثقافة عامة والمركز العربي للفنون التابع لها خاصة، عبر ندوات شكلت بحق إضاءات مدهشة.. فهل تركت تلك الإضاءات ندبة ما؟

من المؤسف أن ندوة المتعالق بين الفن والخط، التي جاءت لتسلط الضوء على الحرف العربي، وتقول إن ذلك الحرف هو الأكثر حيوية في انسياباته ومُحايثته الإبداعية لزمني التصوير والتجريد.. وإنه الحرف القائم على مُعادلات بصرية لا حدود لتفتُّقاتها وانبجاستها الموحية، وحيويتها المدهشة القادمة من أساس وتضاعيف القابليات المتنوعة.. إلخ، من المؤسف أن هذه الندوة لم يحضرها غير المشاركين فيها والقائمين عليها وبعض الصحافيين المحبين للفن أو المجبرين على العمل..

وهاهي الدائرة تصر على عقد مثل هذه الندوات ـ رغم تبرم البعض من خصوصيتها ـ وتفاجئ الجميع بندوة يتلمسها الناس في يومياتهم ويشتغل البعض على تأسيسها أو بلورتها أو حتى توريثها.. إنها ندوة تخصصية عن الفنون الفطرية في التشكيل العربي.. ومع أهميتها وقربها من الجميع لا يحضرها إلا القائمون عليها والمشاركون فيها وبعض الإعلاميين.. وتلفها العتمة.. وكلام الليل. . يمحوه النهار..

أين الندبة التي تتركها مثل تلك الإضاءات إذن؟

إن المتصفح لأي كتاب نقدي عن القصة القصيرة، أو أي موقع في الإنترنت وفي «غوغل تحديداً» ـ ذاك المحرك الذي يبحث في لغتنا أكثر من المواقع العربية قاطبة للأسف ـ سيجد أن أهم مرجع لنقد القصة القصيرة، هو ما دونه الكتاب الصادر عن ندوة مكناس التي لفتها العتمة..

وهذه هي ندبة الضوء الحقيقية في عتمة الآتي.. وهذا تماماً ما تفعله دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة عامة، والمركز العربي للفنون خاصة في الندوات التخصصية التي يمكن أن يقال عنها «على بال مين يللي عم ترقصي في العتمة» وكما قدمت للقارئ العربي عامة والمتخصص في الفن التشكيلي والخط العربي خاصة، كتابا قيماً ضم جميع المشاركات في ندوة «المتعالق بين الخطاط والفنان».

هاهي تقدم في الندوة التي جاءت تحت عنوان «الفنون الفطرية في التشكيل العربي» حيث تم توزيع تلك الندبة الضوئية حتى قبل «حلول الظلمة» عبر كتاب جمع البحوث التي قدمها المشاركون في الندوة، إضافة لنخبة من الباحثين والنقاد العرب، تناولوا عدة محاور تبحث في الفن الفطري في كل الأقطار.

وتطال تاريخية هذا الفن بالتفصيل، ومعظم التجارب التي تجمع بين الفن الفطري والفن الشعبي والفلكلور من جهة، والفن الفطري والفنون الأخرى التي وصلت إلى ما بعد الحداثة من جهة أخرى.

abuhamed@albayan.ae