بدأت صباح أمس في دار الندوة بالشارقة الندوة التخصصية بعنوان «الفنون الفطرية في التشكيل العربي» بحضور عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام، وهشام المظلوم مدير إدارة الفنون، ونخبة من النقاد والفنانين التشكيليين والضيوف المشاركين بالندوة، إضافة للإعلاميين والمهتمين بالفنون الفطرية.

وبعد ترحيبه بالحضور أوضح هشام المظلوم في كلمة الافتتاح أن هذه الندوة تأتي استمراراً لسلسلة النشاطات التشكيلية الاستثنائية المتتابعة على مدار العام، وتكرست بصورة أكبر في مهرجان الفنون الإسلامية لشهر رمضان المبارك، وتأكيداً آخر على متابعة تنفيذ توجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، تلك التوجيهات التي تضع الشارقة في قلب الصدارة من خيارات التنمية المنهجية لبيئة ثقافية تفاعلية تسمو بالإنسان وتستدعي عبرة التاريخ وحكمته، وتصب في المجرى العام للثقافة الإنسانية.

وأشار المظلوم إلى أن عناوين الندوة تتميز بالفرادة والمعاصرة معاً، فالفنون التشكيلية الفطرية تتصل مباشرة بالبيئة ونواميسها وتتسم بقدر كبير من الواقعية العامية، معيدة الاعتبار للتوازن المحكوم بالفطرة السليمة والنواميس السكونية التي غرسها الله في خلقه ومخلوقاته..

والشاهد أن هذا التيار الفني الإنساني العالمي يعيد إنتاج نفسه بقوة أكبر، وكرد فعل مباشر على الإخلال بالتوازنات الايكولوجية والاعتداء على الطبيعة. وأضاف مظلوم أن الندوة تقف أمام الفنون الفطرية ذات الصلة العميقة بالتاريخ، فالإنسان الأول عبر عن نفسه بالرسوم التلقائية التي جمعت بين الواقع والميثولوجيا، ثم سارت تلك الفنون قدماً لتتواءم مع الفنون التطبيقية،

واستعارت بعض أدوات التجريد المركوز في أساس الزخارف والنمنمات، وبتلقائية عامية واضحة، وخلال مسار التطور الطويل لهذه الفنون استجدت مفاهيم جديدة، وأسئلة ملحة، فكان لابد للفنون الفطرية انه تتقاطع معها، وأن تباشر في ذات الوقت صلتها بالعناصر المدرسية للفن التشكيلي كالكتلة والفراغ والمنظور والإضاءة والألوان.

بدأت الدكتورة هند الصوفي عساف ورقتها التي جاءت تحت عنوان «بين تجربة السذاجة وسذاجة التجربة» مشيرة إلى ان بدايات الفطرية في العالم العربي ترسخت فعلياً في بدايات القرن العشرين، خاصة في عهود الانتداب والاستعمار الأوروبي، فكان هناك فنانون محترفون أعطوا الكثير، لكنهم لم يبدعوا مدارس فنية خاصة بهم..

وعندما تحررت هذه الأقطار سياسياً في الخمسينات، لم يترافق هذا التحرر بثورة فكرية شاملة ترتكز على خلفيات علمية متماسكة فباتت غاية الإصلاح التقليد والترجمة ما انعكس على تكوين الشخصية الفنية العربية ووضعها في مأزق امام الاستحقاقات والتظاهرات الفنية الدولية.

ورأت د. عساف أن المسار التشكيلي الحداثي العربي تجسد بعمليات ثلاث حددت معالم اتجاهاته، الأول اكتشاف تراثنا المحلي في الغرب، ثانيا استيعاب التجارب الغربية ومحاولة تعريبها، وثالثاً القيام بعملية دمج بين تعريب الفن الغربي من جهة وتجديد الموروث الفني المحلي من جهة ثانية،

ونتج عن ذلك اشكال هجينة من حيث أبعادها الإبداعية وتركيبات غريبة بازدواجية انتمائها.. وعندما اطل العرب على الفن الغربي بشكل مفاجئ كان الفن الشعبي يمارسه بسطاء حرفيون يريدون اعمالاً واشكالاً ورثوها عن آبائهم، ومن تميز من هذه الاعمال بصدق العاطفة والاستئثار بنظر المشاهد، ارتقى بفنه من الحرفة إلى درجة الإبداع الخلاق.

وتطرقت د. عساف في ورقتها إلى العلاقة مع الغرب وانعكاس ذلك على بعض المفاهيم، وتكريس النظرة الدونية والثقافة الضعيفة وعلاقة كل ذلك بالفن الفطري، إضافة لبحثها بخصوصيات هذا الفن في مجال المواضيع، والتأليف والألوان، إضافة للرموز والمعاني مع الاستشهاد بتجارب وأعمال وصور ورسومات.

وتساءل د. ابن عامر من جديد: هل لدينا فن يمكن أن نصطلح عليه بـ «الفطري» وإن وجد أو هو موجود، ما هي معطياته أو بالأحرى أحواله؟ في إمكانية القول بالتعبير التشكيلي الفطري في تونس، وبالنظر إلى ظروف نشأة الفنون العربية الحديثة، تجد ما يدعم قيام الفطري من التعبير.

الفن لدينا حتى وإن تحول عدد كبير من الرواد الذين عولوا على إمكانياتهم الشخصية والفردية إلى مضامين، تتلمذوا بالمعايشة وبالمعاصرة عن الأجانب المقيمين ببلدنا، وإذا ما اعتبرنا أن عدداً لا بأس به من فنانينا قد وجد رواجاً وقبولاً عند الآخر الغربي، فإنه يمكننا أن نقول بأن جانباً كبيراً من العقوبة والعصامية الكامنة فيه بالفطرة كان سبباً رئيسياً في هذا الحضور.

وتدليلاً على ذلك استشهد د. فاتح بفنانين سميحي التركي وإبراهيم الضحاك والبغدادي شنيتر وعلي القرماسي وغيرهم عبر نماذج وصور ورسم على الزجاج والاستفادة من الشخصيات التاريخية وإعادة الاعتبار لها عبر قصص تعبر عن الواقع وتطلع المجتمع في تونس خاصة والوطن العربي عامة.

رئيس الجلسة طلال معلا، تضمنت ورقته المعنونة بـ «طاقة الفنون الفطرية» لمحة لما يحويه الكتاب الصادر عن الندوة، وعن الفن الفطري باعتباره موضوعا يشكل جزءاً من تاريخ الثقافة، لا قى التهميش بصورة عامة، واعتبر خارج الرؤية الجمالية التراتبية في البحوث والدراسات والتحليلات، أي خارج خارطة الفنون التشكيلية والبصرية وذلك لأسباب كثيرة تتعلق بمنطق التفكير والرؤية الساخرة لما تطرحه هذه الفنون.

وتحدث معلا عن بداية عهود الاستقلال الوطنية وانعكاسها على المشهديات الفطرية، والإنساق الثقافية التي غرقت في نقاشات المحلية والعالمية أو الولع في تحقيق مركزيتها، وفي حين دخلت الفنون المنتجة في العالم العربي فضاءات التجريب والتحديث كانت الفنون الفطرية شاهداً على عمليات التحديث والتطوير، الهجرة والعودة دون أن تدفع بنفسها في أتون الحيرة أو تحاول تفصيل نموذج لها.

ويرى معلا أن الفن الفطري كان وراء ابتكار الحداثة في النحت والتشكيل، مستشهداً بما ذكره عبدالكريم الخطيبي في «مقدمات الفن العربي المعاصر» .وتطرق معلا إلى الإبداع، والموهبة في الفن الفطري،

مؤكداً أن نظرتنا اليوم للفن الفطري ستعطينا ردود أفعال متفاوتة وحساسيات على صلة بطرق الأبصار الجديدة حيث كل منا حصيلة قوى ثقافية متعارضة لا يربط بينها رابط، إنها صورة بعيدة عن الكليات التقليدية تعيش زمانا لم يعد العقل يفرض عليها شكلاً فوقياً زائفاً واستعلائيا أو أن يهدد وجودها تعاقب العباقرة.

الورقة الأخيرة كانت للباحث الدكتور راتب الغوثاني تحدثت عن الفنون الفطرية عبر «زكاري» كنموذج ودارت نقاشات حول الفن الفطري والفنون الأخرى وعلاقات الفن بالعصر الحالي ولماذا العودة لهذا الفن هذه الأيام، وما الذي يمكن للندوة أن تسهم فيه في إعادة هذا الفن للحيز الحياتي والإعلامي.

الشارقة ـ محمود أبو حامد