من تلة إلى أخرى يقفز المتسرعون أملا في الوصول المبكر إلى النصر السريع والجاهز والنصر بالنسبة لهم هو الثراء والمال ولا شيء آخر، لكن هذه النظرة المبسطة للتنافس المحموم بين الناس في الحياة تختلف كليا عند أصحاب الحكمة الذين خبروا الدنيا وعرفوا أسرارها..

فالحياة بالنسبة لهم ليست ركضا مجانيا للفوز بالغنيمة والظفر بها، وإنما سعي دائم للمعرفة ونشرها ليعم نورها الأرض، والمعرفة العميقة ليست في المكسب المادي وحده أو في تحقيق الثراء مهما كان الثمن، وإنما الارتقاء بالذات الإنسانية التي تسكن أعماقنا وتدريبها باستمرار ليصبح الإنسان مراقبا لوجوده باستمرار،

إنها استقراء ذكي للعلامات والأحداث التي تجري من حولنا ومحاولة الربط بينها لاكتشاف القوانين السرية التي تتحكم في الكون والإنسان وتدفعنا إلى التحرك وراء هذا المعنى أو ذاك..وما من حكيم على مر التاريخ جعل الأشياء المادية هي الأساس وهي الغاية.. وما من فيلسوف إلا

ودعي مثل سابقيه إلى التمسك بالأخلاق والى الابتعاد عن الوقوع في المظاهر الزائفة لان فيها تدمير واضح للذات الإنسانية الحقيقية، الذات التي عليها أن تتطهر من الرغبات العابرة وان لا ترضخ أو تتحول إلى أسيرة لأطماع الثراء والجاه والثروة لان كل ذلك قد لا يساوي شيئا في النهاية سوى المزيد من الغرق والعبودية لهذه الماديات.

اليوم، ومع تكاثر الغلاء في العالم، واكتساح المظاهر الاستهلاكية ودخولها في الكثير من تفاصيل حياتنا، قد تبدو مقولات الفلاسفة القدماء ناقصة، فالعيش في شظف وممارسة الزهد والتخلي عن الركض وراء جمع المال قد تعني لكثيرين الموت

والذل والخروج من المجتمع (المادي) والانزواء بعيدا عنه وبالتالي عدم المشاركة فيه، أو عدم المشاركة في تغييره. وبالنسبة لكثيرين في مجتمعنا ممن يتمسكون بالأخلاق الطيبة، هؤلاء يحاولون التوفيق بين متطلبات المجتمع المادية من أناقة وثراء معقول وحياة كريمة، وبين واجباتهم الأخلاقية تجاه أنفسهم،

وهذه الحالة الوسطية التوفيقية تستدعي بالتالي طرح نظريات ومفاهيم فلسفية وأخلاقية جديدة تتماهى مع عصرنا الحالي وتتناسب وطبيعة المجتمعات التي نحيا داخلها وهي في الغالب مجتمعات تغلب عليها الصفة المادية الاستهلاكية المريضة حقا..حتى ان الفرد لا يملك خيارات كثيرة في كيفية صد هذا الطغيان المادي على حياته ووقته.

بالنسبة للمجتمعات الغربية التي سبقتنا في التحول إلى (عبادة المادة) منذ أكثر من مئة سنة، أفرزت هذه المجتمعات الكثير من المفاهيم والفلسفات الجديدة التي تحاول ان تنقذ إنسان اليوم من هذه العبودية الطاغية.

وان تفتح له ملاذات روحية جديدة في يومياته وفي عمله وأثناء قيادته للسيارة وفي كل لحظة فراغ قد يجدها بين تفاصيل يومه المزدحم بالعمل واللهث وراء المادة والمال. وبالتدريج انتشرت ثقافة روحية هامشية صغيرة داخل الثقافة المادية الكبيرة والواسعة وصار بإمكان إنسان المدن الصناعية العملاقة ان يؤدي تمارين الاسترخاء لمدة دقيقة على كرسي العمل،

وان يصلي في السيارة أثناء توقفه لساعات في الازدحامات الخانقة، وان يمارس التأمل في فترة استراحة الغذاء، وهي كلها أمور تساعد فعلا على إيجاد مخارج للروح لكي تتنفس قليلا وسط هذا الضجيج العالي للحضارة.

مثل هذه الظاهرة، بدأت عندنا في مدن الخليج منذ مدة، وهناك اليوم العشرات من أبناء المنطقة الذين صاروا يلجأون إلى تلك المعتكفات للتخلص من حمل وثقل حياتهم وعلاقاتهم المادية الصرفة، حتى إن بعض هذه المراكز الموجودة في مدن الخليج بدأت تستقطب فئات جديدة من المواطنين والمواطنات بينما كانت في الماضي تقتصر على الأجانب الغربيين وأبناء الثقافات الشرقية.

في زحمة هذا الطغيان المادي، نحتاج إلى مساحة نتطهر فيها يوميا..بصلاة صادقة، وبإصرار دائم على تغذية الروح لكي ترتقي فوق جميع هذه المظاهر وتتحول إلى طائر ابيض ينتمي إلى الصفاء العظيم ويذوب فيه.

akhozam@yahoo.com