كانا يحملان معهما كرة قدم كلما سارا في الشارع، كانا صغيرين يتقاذفان الكرة من أجل المتعة لا غير، كبرا قليلاً فانتقلا من الشارع إلى ساحات ترابية.. كبرا كثيراً.. بحثا عن ساحة شرعية.. وجدا المرمى (قائمين وعارضة) كانت العارضة حبلاً والقائمان من خشب، حلّت كأس العالم، لا تلفاز في البيت.
كانت الشاشة حينذاك ابتكاراً شيطانياً في نظر العامة.. لا مجال لمتابعة المباريات إلا في المقهى.. في البدء كانت الكرة.. في البدء كانت البرازيل، فنون وجنون وسحر وإلهام.. تعلقا كثيراً بالكرة ومعهما كبرت مجموعات وولدت فرق، وكثرت الملاعب الشعبية، وكان من ينجز ساحة للكرة في المناطق السكنية كأنه عمل معروفاً في الناس.
استوعبت الساحات الشباب، في حين كان الأهالي يتابعون ويشجعون، وكان البعض يتطوع لتوزيع الماء على اللاعبين المتعبين وعلى المتفرجين مجاناً، كان تقاضي أي مبلغ نظير هذا العمل عيباً تحاسب عليه العائلة والقبيلة. كبر الصديقان وتقدم بهما العمر، وبعد فراق طويل عاد الأول صديقه..
* بعد السلام قال: كيف حالك والكرة؟
ـ الكرة يا صاحبي هذه الأيام مثل حال الشعوب الفقيرة مصابة بأمراض كثيرة.. الطفح يأكل جلدها والضغط غيّر شكلها، والسكري أضعف قدرتها على صنع الفنون الجميلة.
* الكرة المدورة مصابة بكل هذه الأمراض؟
ـ نعم يا صاحبي، فما عادت الكرة التي كنا نلعبها ونشاهدها ونستمتع بحركتها وبالأقدام التي تتبادلها.
* الكرة هي الكرة، وشكلها صار أجمل كما أعتقد..
ـ لا يا صاحبي.. كانت الكرة حرّة طليقة.
* وهي كذلك..
ـ كُنْ حراً وقل الحقيقة.. لقد قيّدوها وبالأغلال كبلوها.
* لا أفهم ما تقول..
ـ كانت الكرة بريئة مثل طفولتنا..
* والآن؟
ـ فقدت براءتها وصارت سلعة مملوكة للمال والسياسة.
* ماذا تريد أن تقول يا صاحبي؟
ـ عادوا بنا إلى أيام (الرق والعبودية)..
* لا تزدني قهراً ولا تستفزني أكثر.. كرة القدم لعبة تطهّر النفس من الأمراض وتحرر الإنسان من قيوده، كيف يمكن لها أن تعيدنا إلى زمن الرق والعبودية؟
ـ لا تحزن يا صاحبي.. هذه هي الحقيقة، فاللاعبون (يباعون ويشترون) مثل العبيد في كثير من الأحيان.. انتفض الرجل على الرغم من كبر سنه وحمل إناء كبيراً، وتوجّه إلى أقرب ساحة شعبية يوزّع الماء مجانا على المتفرجين.. منعوه وصادروا إناءه وحاكموه بتهمة انتهاك القانون..
* في المحكمة سأله القاضي: ما جريمتك؟
أجاب: ارتكبت نفس الجريمة التي ارتكبها والدك أيام زمان، كنّا معاً نوزع الماء على المتفرجين مجاناً حتى لا يشغلهم العطش عن متعة الكرة..
القاضي: كان ذلك زمان يا عم، اليوم الكرة مصدر رزق الناس.
* أسألك يا ولدي، ماذا عن والدك وما أخباره؟
القاضي: لقد مات يا عم عندما خسرت البرازيل إحدى مبارياتها في كأس العالم، فرفع حينذاك صوته عالياً: أين بيليه وتوستاو وسقراط.. و.. و.. ثم أغمض عينيه وفارق الحياة.
صاح الرجل في المحكمة.. نعم أين بيليه وتوستاو وسقراط.. و.. وأغمض عينيه.
طرح القاضي سؤالاً على هيئة المحكمة: من المسؤول عن هذه الجرائم ومن المتهم ومن الضحية؟
قال أحدهم: أسأل ديفيد يالوب يا حضرة القاضي!
فتحت عيني بعد (غفوة) مفاجئة وأغلقت كتاب (كيف سرقوا اللعبة) الذي أخذني بعيداً.. وفجر في خيالي العديد من الصور.
إلى جمهور الشباب مع التحية
لو كنت مسؤولا عن تعاقدات اللاعبين: ما السعر الذي تحدده لبيع بطاقة سرور سالم «لو» يعرض على قائمة الانتقالات في دوري المحترفين؟
جمهور محترف
عندما ندخل عالم الاحتراف، علينا أن ندرك عناصره، ولعل الجمهور أبرز العناصر المساهمة في إغناء خزينة النادي من خلال حضوره وشرائه التذاكر، أو من خلال اشتراكه في القنوات التي تحصل على البث الحصري،
ولو تابعنا الأندية العالمية الكبيرة لوجدنا أن إدارتها تسعى لزيادة شعبيتها وجماهيريتها حتى تستطيع رفع سعرها عند التفاوض مع شركات البث، والأندية غير الجماهيرية ستبقى أسعارها منخفضة.. الجمهور أولاً وأخيراً يا جمهورنا العزيز..
لو أخذنا على سبيل المثال النسب التقريبية لمساهمة الجماهير في خزائن الأندية لخرجنا بهذه الحصيلة.. وفي أعلاه موجز تقريبي لمداخيل أبرز الأندية العالمية من بيع التذاكر.
قد لا تصلح هنا المقارنة بسبب الفرق الكبير بين عدد نسمات كل دولة، ومع وجود هذا الفرق لابد أن يكون لجمهورنا (في العالم الكروي الجديد) دور بارز..
رونالدينيو وميسي وفابريغاس في دوري المحترفين الإماراتي!
لو عُرض رونالدينيو أو ميسي أو فابريغاس على سبيل الافتراض على أحد أنديتنا المحلية بمبلغ كبير، وشعر ناديك بعجز في تسديد قيمة الصفقة.. هل تساهم كأحد مشجعي النادي في تغطية نسبة معينة من العجز..
كيف تساهم؟
1. هل تشتري تذاكر موسم كامل؟
2. هل تتبرع بمبلغ مالي مباشر؟
3. هل تقدم تذكارات ممكن أن تتحول إلى مال؟
4. هل تشتري مقتنيات ناديك؟
5. هل لديك فكرة أخرى للمساهمة؟
6. هل ترفض؟
قبل أن يتحول الاحتراف إلى انحراف
لعب الفساد دوراً كبيراً في الدول التي سبقتنا في الاحتراف الكروي، حتى صار صديقا حميما للاحتراف يمشيان في درب واحد، على الرغم من الحرب المعلنة ضد الفساد والمفسدين،
ونشطت حركة المافيا بعد أن استطاعت تخصيب الأرض تحت أقدامها، لذا صارت بعض المباريات تدار من قبل هذه المافيات ومن مكاتب المراهنات، حتى سقطت أندية من عروشها وافتضح أمر حكام مارسوا الفساد، وكُشفت حالات تلاعب في ميزانيات بعض الأندية نزلت على ضوئها إلى درجة أقل،
ولعب وكلاء اللاعبين والمدربون وبعض المستفيدين في الأندية أدواراً خطيرة من أجل الحصول على المال غير المشروع، وخان لاعبون ضمائرهم فباعوا المباريات لصالح مافيا المراهنات.. إذن علينا أن نضع هذه الصورة تحت النظر، فقد ننجح في إفشال كل المخططات حتى لا يتحول الاحتراف إلى انحراف..
جاسب عبد المجيد
