قدمت أكاديمية الشعر العربي التابعة لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث بالتعاون مع جامعة الإمارات؛ باكورة أنشطتها الشعرية والثقافية بإقامة ورشة شعرية نقدية لقصيدة الشاعرة بنت الماجدي بن ظاهر التي تعتبر أول وأقدم قصيدة لشاعرة إماراتية تصل إلى أيدي الباحثين، وتعود إلى ثلاثة قرون خلت.

شارك في الورشة الباحث علي بن تميم أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمارات، الباحث سلطان العميمي مدير أكاديمية الشعر العربي في أبوظبي، والدكتور الباحث في الشعر النبطي غسان الحسن، ومجموعة من الباحثات والطالبات بجامعة زايد.

كان الدكتور والباحث الإماراتي علي بن تميم أول المتحدثين في الندوة؛ بورقته النقدية «بنت الماجدي ـ قراءة ثقافية نسائية» أشار في بدايتها إلى الأهمية الكبرى التي تتمتع بها شخصية الشاعر «بن ظاهر» في تاريخ الأدب الإماراتي المحلي، ثم انتقل ليحدد ملامح وشكل صراع لا يمكن اختزاله بالعلاقة بين الشاعرة وأبيها وفق دلالات نسبية بل يتعدى ذلك إلى مفهوم اجتماعي ثقافي.

واستعان «بن تميم» بنظريتي: إدوارد سعيد وهارلود بلوم حول العلاقة بين الأبناء والأسلاف، مع خصوصية العلاقة الشائكة والمعقدة بين الشاعر وابنته في مجتمع محلي عرف سيادة ذكورية مطلقة في مراحل زمنية طويلة، ويسترسل الباحث في توصيف العلاقة المعقدة بين الأب وابنته من منظور اجتماعي يسعى للحفاظ على إرث الأسلاف.

ثم قدم الباحث سلطان العميمي مدير أكاديمية الشعر العربي في أبوظبي؛ ورقة بحثية بعنوان «قراءة تأويلية في قصيدة الشاعرة بنت الماجدي وسيرتها الشعبية» مقدماً بكلمات تحتفي بأول وأقدم قصيدة تصل إلى مسامع الناس من شاعرة إماراتية، معلقاً بقوله: يمكنني أن أعتبر أن نص بنت الماجدي بن ظاهر، التي نحتفي اليوم بها، غصن أخضر، اقتطع من شجرة.

ولا يزال حيا إلى يومنا هذا رغم مرور أكثر من ثلاثمئة سنة على ظهوره، بل لا أبالغ إن قلت إنه أقرب إلى الملحمة منه إلى القصيدة، رغم اختزاله في الثلاثة والثلاثين بيتا التي وصلتنا، وهو عدد قابل للزيادة في حال ظهور القصيدة بزيادات أخرى في مخطوطات غير معروفة لنا بعد.

وعرّف العميمي بشخصية الشاعرة موضحاً أن اختلاف الرواة حول اسمها لا يشكل أهمية علمية للبحث في نتاجها الشعري، فقد أطلق عليها البعض اسم «سلمى» بينما أصر آخرون على مجهولية اسمها، وأحال الباحث دلالات الاسم ـ سلمى ـ في حال صحته إلى إشارات رمزية تتصل بالمعنى المرمز إليه باعتبار أن «سلمى» تعني الدنيا والأرض.

وأورد العميمي بعض أشعار بن ظاهر وسالم الجمري التي تشير إلى معنى هذا الاسم، مع استدلالات اعتمد عليها الباحث تقوم على افتراضات نظرية تشير إلى اختراق «الشاعرة» الخطوط المجتمعية الحمراء باقتحام عالم الشعر الذكوري، وأن اسم سلمى يمكن أن يكون لقباً للمرأة التي تتعدى هذه الخطوط في زمنها.

كما أجرى الباحث قراءة مقارنة بين الاسم الدلالي الذي حمله والد الشاعرة ـ بن ظاهر ـ وبين لقب ـ أو اسم هذه الشاعرة التي ظهرت في سماء الشعر النبطي بعد 3 قرون على رحيلها.

بحسب المصادر التي نقلت القصيدة ـ يضيف العميمي ـ فإن قصيدة الشاعرة هي القصيدة اليتيمة أو الوحيدة التي وصلت إلينا. ويستشهد بالحوارية الواردة في المخطوطة بين الشاعرة وأبيها وطلبها منه أن يجيزها لقول الشعر.

ورفضه لهذا الطلب الذي يراه خارج العرف الاجتماعي السائد آنذاك، وهو المعروف بحكمته البالغة، واستطرد الباحث في ذكر بعض نماذج هذه الحكمة وبعض الاختبارات التي يُخضع لها ضيوفه، وأضاف العميمي: نحن الآن أمام الاختبار الذي قدمه لابنته.

فلقد طلب منها أن تعطيه ثلاث إجابات تنتهي بحرف (لا) النافية، هذه الإجابات أقرب إلى الحكمة المبنية على التجربة، ويبدو أن ابن ظاهر هنا يريد أن يعرف مدى استيعابها وفهمها وموقفها من مبدأ الرفض المبني على كلمة لا، وبعد أن أجابته عن لغزه الشعري بأبيات قوية؛ اقتنع والدها بإجابتها وسمح لها أن تقول الشعر.

ويبدو أنه سماح مؤقت، تبعه رفض نهائي بعد أن استمع إلى قصيدتها! وتهديدها بقطع لسانها إن قالت الشعر مرة أخرى، وربما كان لإفصاح البنت عن تجربتها في الحياة وتوضيح موقفها من التعامل مع الرجل والمجتمع والجسد دور في عدم رغبته في أن تكشف شيئا قد يثير الأقاويل حولها.

وأشار العميمي إلى أن نص بنت ابن ظاهر نص خطير جدا، سواء من الناحية الشعرية، أو المقدمة الشعرية ذات الحكمة والتجربة المكثفة والقوية، أو حضور الجسد الأنثوي وروح الأنثى، أو موقفها من الآخر «المجتمع ـ الرجل».

أو الرمزية في النص، أو حتى من حيث تلمس مناطق الفجوات الموجودة بين الأبيات في النص، وأضاف العميمي: اختلف الرواة حول رد فعل ابن ظاهر على قصيدة ابنته فيما بعد، فمنهم من يقول إنه منعها من نظم قصيدة أخرى بعدها، وقد (أرفق عليها) أي حلف يمينا ألا تقول قصيدة أخرى (أرْفَقْهْا أنْها ما تِقْصِدْ).

ومنهم من قال إنه هددها بقطع لسانها إن قالت غيرها (لكَنْ والله يا زْيادَهْ يَنْ قِصَدْتي لاقِصّ لْسانِكْ، بَسْ عليكْ مْنِ القِصيدْ اللي سَوّيتيه)، ومنهم من قال إنه قطع لسانها فعلا! ويبرر بعض الرواة أن ابن ظاهر لجأ إلى ذلك لأنه وجد أن قصيدة ابنته التي سمعها تمثل تهديدا لمكانته الشعرية، وهو تبرير يبدو لنا غير مقنع.

وتناول الدكتور غسان الحسن في ورقة عمله مفهوم الأدب الشعبي مفصلاً في خصائصه وفنونه وأنماطه، ومن ثم عرج على حكاية بن ظاهر مؤكداً أن سيرة ابن ظاهر وابنته تنتمي إلى الحكاية الخرافية الشعبية المحلية كونها تتمتع بخصائصها.

وهي: انبثاق الموهبة الشعرية عند ابن ظاهر بصورة خارقة للمألوف نظر المجتمع والشعب، أن سياقها وامتدادها يسيران تبعاً للبطل، ومواكبة له، فجوهرها ليس الحدث، ولا تمتد بامتداده، وإنما تنتقي من الأحداث ما يلقي الضوء على البطل في مسيرته.

وهذا ما ينطبق على حكاية بن ظاهر، ومن خصائص الحكاية الخرافية كذلك أنها تصور عالماً هوائياً لا أبعاد ظرفية له، فلا زمان محدداً ولا مكان، ونحن نلاحظ هذا الأمر في حكاية ابن ظاهر وابنته، فهي تخلو من التواريخ أولاً، كما تخلو من تحديد الأمكنة والأوقات والأزمنة، وكأن أحداثها وأبطالها يعيشون في عالم هلامي يمكن أن ينطبق على كل زمان ومكان، وهذا يجعلها تنتمي إلى عالم غير عالمنا الحقيقي.

في محور آخر تناول الدكتور الحسن حكاية ابن ظاهر وابنته مشيراً إلى نسبه وحكايته مع البلماء ـ الجنية التي ظهرت له- وبداية موهبته الشعرية، مقدماً تحليلاً وتعليلاً وتفسيراً لعدد من النقاط الغامضة والألغاز والتساؤلات التي تحيط بحكاية بن ظاهر وابنته، وحول حكاية بنت بن ظاهر.

قال د. الحسن: إنها حكاية غير مستقلة بل هي امتداد لحكاية أبيها مفصلاً في صفات البنت وأهمية هذه الصفات التي جعلت موضع شهرة، بالإضافة إلى شاعريتها، كما قدم حواراً مع هذه الحكاية منتقلاً إلى زوج بنت ظاهر ودوره فيها، ويختم الدراسة بتحليل حول وضع المرأة في مجتمع بن ظاهر وحكايته، وسمات هذا الوضع في سياقها.

إضاءة

احتفاءً بذكرى الشاعرة بنت الماجدي بن ظاهر؛ أعلنت أكاديمية الشعر العربي في أبوظبي، عن إقامة ملتقى سنوي للثقافة الشعبية النسائية في الإمارات، تتزامن مع يوم المرأة العالمي في الثامن من مارس، واعتبار الورشة الحالية هي الدورة الأولى للملتقى.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري