رواية الغربان.. تدور حول المعالجة الفنية لثنائية الخير والشر. هذه الثنائية من سمات الوجود، لصراع الأضداد: النور والظلام، الحسن والقبح، الحق والباطل، العدل والظلم. .. في البداية يهدي الكاتب عبد الفتاح صبري، هذا العمل الأدبي إلى قريته. .القابعة في أحضان النيل، والقلب. تنقسم الرواية إلى جزأين، هامش أول، تحت عنوان، الغربان: الغربان رمز التشاؤم.. وإذا نعق غراب على شجرة أو دار، كان ذلك كفيلا ببعث الهم طوال اليوم لدى البعض.
وفي عبارة ذات مغزى يقول: في قريتنا قضى على الغربان في حقبة الستينات. الغربان تحب السرقة، سرقة الأشياء الثمينة والجميلة وتتلف الزراعات. هذا هو الوجه المظلم في حياة الغربان. بعد الهامش الأول التمهيدي للدخول في عالم الغربان..
يبدأ الراوي في سرد الأحداث التي وقعت في القرية بطريقة سهلة وشيقة، يأخذنا معه ركضا عبر دروب القرية وحواريها وأزقتها وشخوصها.. لقد عاد صبحي عثمان، أحد أبناء القرية، من رحلة الضياع والهروب والشتات في بلاد الله الواسعة.
وهذه القرية التي لفظته ذات يوم، إليها يعود بعد الجري واللهاث وراء الحدود وفوق السدود والجمارك والحواجز، عاد تاركا المنافي والفيافي، باحثا مرة أخرى في السكك والدروب والحارات الضيقة.
الجزء الثاني، الغربان لا تختفي أبدا.. يبدأ مع هامش ثان، الحديث عن كثير من الحركات الوطنية التي اجتاحت العالم الثالث أو النامي. وثورة يوليو، لقد غيرت مسار التاريخ، ليس في أرض الوادي العظيم، في الوطن العربي..
أيضا أثرت وكانت نموذجا لباقي دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ولم تستطع أن تتعامل مع أعدائها بشكل جاد أو علمي، بل استطاع كثير من أعدائها الكمون والاختفاء والترصد والترقب حتى حانت اللحظة المواتية للانقلاب والإمساك بالفرصة التاريخية التي دنت بغياب الحماية، فظهرت مرة أخرى كل أشكال الاستغلال والتسلط والقهر، وتنوعت تلك الأشكال لتواكب العصر الجديد، عصر التغيرات الكبيرة.
ويضيف ـ الراوي ـ نتيجة لما سبق، ظهرت الغربان في قريتنا.. لم تختف. بدأت تتجمع من جديد. يكتسي الزمان بسواد الغربان. لا تنعق في الليل، ولكنها في وضح النهار تمارس طقوسها، تنطلق، تضحك. تبني أعشاشها. في قريتي. فماذا حدث في قرية الراوي صبحي عثمان، وهي في ذات الوقت قرية المؤلف القابعة في أحضان النيل والقلب ؟
في هذا الشكل غير التقليدي للسرد الروائي عند الكاتب عبدالفتاح صبري، يعود الراوي للقضاء على الشر وقتل الغراب الأكبر للخلاص من رمز الظلم، فيجد أن كل شيء قد تغير وتبدل إلى الأسوأ والمحزن والمدمر والخراب.. وإذا مات غراب أو قتل ظهر غراب آخر خلفا له !!. وصميدة شعبان..
الغراب السمين، يستحوذ على كل شيء في القرية. الماء والحلال والحرام، التجارة والشطارة، الأرض والوظائف. ماضيه البعيد.. سرّاق وحرامي. قصصه كانت على كل لسان، يحكيها الصغار والكبار، صباح مساء. هذا هو الغراب الأكبر وهذه هي تناقضات الحياة.
أضداد الحياة. فالراوي يؤمن بوجود الشر، ووجود الخير، وكل شيء وله نقيضه في هذا الكون، ومع هذه الثنائية الكونية يصمم على القضاء والخلاص من الغراب السمين ويعدد الأسباب للإقدام على هذا الفعل. وبدأ يخطط للفعل الحاسم.
وبعد أن ينجح في القضاء على الغراب الأكبر، فإنه يعود للظهور مرة أخرى، كالشر الذي يظل كامنا في أعماق البشر، حتى تحين الفرصة ليطفو على سطح الحياة ومجريات الأمور. يجده في النهاية.. نهاية الرواية ونهاية الأحداث، عاد متمثلا في صورة ولده الصغير الوحيد الذي يحتل مكانة الأب، وكأنما الشر يتوالد ويستمر ولا ينتهي أبدا، كالغربان التي لا تختفي أبدا..
