اختتمت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة احتفالاتها مساء أمس الأول في دار الندوة بمرور عشر سنوات على تأسيس بيت الشعر، بندوة جاءت تحت عنوان «ضرورة الشعر ومتغيرات العصر» شارك فيها الشاعر المنصف المزغني من تونس، علي عبدالله خليفة من البحرين، الدكتور عمر عبدالعزيز من اليمن، وبهجت الحديثي من العراق.. بحضور عبدالعزيز المسلم مدير إدارة التراث في دائرة الثقافة، ونخبة من الشعراء والمثقفين والإعلاميين.

وأشار مدير الندوة الدكتور عمر عبدالعزيز إلى استثنائية هذه الندوة، كونها ختام الاحتفال بمرور عشر سنوات على تأسيس بيت الشعر، يتحدث فيها شعراء يحملون وجهين للعملة الواحدة ، وجه الإدراك المعرفي والجمالي الذي يتوازى مع الخطاب والبيان والبديع والوجه الشعري بالمعنى الواسع للكلمة..

وانتقل إلى إشكالية العنوان محاولا أن يحدد مسارب للحوار في ظل زمن الشعر المغاير كأي زمن للإبداع في توقه للتحول لكن عبر كلام موصول باللغة الحمالة لأوجه متعددة الدلالات، وقول موصول بالعبارة، لكنها العبارة التي تفتح فجوات في المعنى وتعطي أبعادا للمبنى، ويتموسق الكلام ظاهراً وباطناً، فالموسيقى الشعرية .

كما يضيف د. عمر - ليست موسيقى أحادية، فهي مستمدة من موسيقى الكون وموسيقى الوجود.. واللغة حمالة لهذه الموسيقى، ويقوم الشاعر بدوزنة الكلام حتى يقول شعراً، سواء أقاله بإطار العمود والقافية، أم بإطار التفعيلة التي هي ليست في نهاية المطاف.

كما يقول الفراهيدي - إلا تراتباً بين الحركة والسكون، تراتباً موسيقياً .. ثم بعد ذلك يأتي النص المفتوح، وهذا موضوع إشكالي يموج بين القدرة على النثر والقدرة على الشعر في حالة تصادم مفاهيمي بين التأصيل وما يمكن تسميته بمصيدة الحداثة.

مداخلة الشاعر علي عبدالله خليفة أعطت للعلاقة مع الجوار بعداً مغايراً، ليس من حيث التناول والبحث، بل من الاختلاف الجغرافي والتاريخي والاجتماعي لتلك العلاقات، فتجربة شعراء البحرين لها تمايزات مختلفة - كما يقول خليفة - فموقع جزيرة البحرين الجغرافي مكنها من التقاطع مع الهند وإيران وافريقيا وكل الدولة العربية المحيطة، فتنوعت مشارب الثقافة.

وتعددت أشكال التأثير والتأثر، مما جعل في البحرين نوعين من الفنون، فنون أصيلة وفنون وافدة، منها الفنون الإفريقية مثلا التي جاءت عن طريق اليمن وعمان، وفنون وافدة مارسها المقيمون في البحرين من أفارقة جاءوا في زمن الرق، وتلك الفنون استوعبها شعب البحرين، بل قام بتطويرها.

والإضافة عليها، وهناك أمثلة كثيرة - يؤكد خليفة - لأغان ورقصات وأهازيج شعبية افريقية كانت في أصلها جنائزية في أوقاتها ونصوصها ومناسباتها.. حولها تم تحوليها رويداً، رويداً إلى نصوص فرح ورقص وأمل...

الأبعاد الدلالية

الدكتور بهجت الحديثي يرى أن عنوان الندوة يحتمل الكثير من الأبعاد الدلالية، فالشعر ومتغيرات العصر إشكالية في ذاتها منذ الأزل، ولذلك ينبغي على الشاعر أن يكون ملتصقاً بواقعه في أي زمان ومكان، مستمداً رؤيته الشعرية من معايشته ليومياته وما يحيط به، فالشعر نقد للواقع، وهكذا فهمه أبو نواس ودعا لأن تعيش الأجساد والأرواح في واقع واحد وزمان ومكان واحد:

وإذا وصفت الشيء متبعاً لم تخلُ من غلطٍ ومن وهمٍ.

ويرى الحديثي أن السماع لا يكفي، فعلى الشاعر أن يسمع ويرى ويتابع، فالشعر لا يعرف الجمود، وهو دائما في حركة تصاعدية وإن كان هناك بعض الهنات والانكسارات، فاللغة ذات الدلالات الإعجازية تواكب حركة الزمن عبر سلسلة من التفاعلات والتحليلات والتوليدات، ولا يمكن لمتغيرات العصر أن تؤثر على الترابط التاريخي بين أصالتنا وتطورنا عبر ما أراده لنا ديننا وعقائدنا ومذاهبنا وعادتنا وشخصيتنا..

واختتمت الندوة مجموعة من المداخلات والحوارات اعتبر بعضها أن هذه الندوة مختلفة بهدوئها لأنها خلت من النقاد واقتصرت على المبدعين.. وصبت بعض النقاشات في إشكالية العنوان، حيث غابت عن الندوة « ضرورة الشعر» مما يعني أن الندوة تحتاج لندوات وندوات..

وتناولت أخرى إشكالية التواصل مع الجوار وطرق إعادته، وسبل التواصل مع العالم مع حفاظنا على هويتنا وتراثنا ولغتنا.. وتطرق البعض أيضاً للشعر والحداثة، وعلاقة كل ذلك في وسائل الإعلام في ظل المركزية الأوروبية والهيمنة الأميركية وهواجس ما يسمى بالعولمة..

الشارقة ـ محمود أبوحامد