ولد «جيل كورتلمون» الرحالة الفرنسي المسلم في مدينة «أفون» الفرنسية سنة 1863 في أسرة ميسورة الحال، ولما توفي والده سنة 1868 اقترنت أمه برجل يعمل في سلك الجندية الفرنسية. غادرت الأسرة كلها للعيش في الجزائر سنة 1874، فاستقرت في «غلزان» وهي منطقة صحراوية قاحلة.

وانتقل «جيل» إلى العاصمة الجزائر لدراسة التلغراف، حيث تلقى تدريباً جيداً وشغف بحب الاستطلاع فاهتم بالإسلام وارتبط بالمثقفين والأدباء ارتباطاً وثيقاً، وأصبح يوقع باسم جيل جرفيه ـ كورتلمون وفاء لزوج أمه كورتلمون.

بدأ بمزاولة فن التصوير الذي كان جديداً في ذلك الوقت حتى إنه فتح معرضاً صغيراً في أحد شوارع الجزائر لبيع صور النقش الضوئي. وكان «جيل» يحب الرحلات فسافر إلى معظم الأقطار العربية لأنه بدأ في نشر مجلة فنية باسم الجزائر وكان ينشر فيها الصور التي يلتقطها في تلك الرحلات.

اعتنق الإسلام وبسبب ما كان يسمعه من الحجاج القادمين من «مكة المكرمة» أحب أن يذهب إليها ويرى بنفسه ويصور هذه المدينة المقدسة. يقول «جيل»: «أردت ولوج أسرار هذه المدينة، ليس فقط لتلبية رغبة جامحة لرحالة ولكني كنت مدفوعاً برغبة إكمال دراستي الشاملة عن المشرق المعاصر، هذا المشرق المسلم الذي وصفته سابقاً بعد أن طوفت في آفاقه وأفنيت فيه شبابي إلى أن أصبحت أحبه».

وعن حبه للإسلام وأهله يقول: «إنني أعشق الشرق ولون سمائه الأزرق، أحب الإسلام في إيمانه الخاص، وأحب فيه الأمل الراسخ». تعرف «جيل» إلى رحّالة من الجزائر وشوقه إلى الذهاب إلى مكة، فعرض فكرته على حاكم الجزائر الفرنسي «كومبون» فأبدى اهتماماً كبيراً بالمشروع خصوصاً أن الحج يشكل أحد اهتماماته، فقام بتكليفه بمهمة خاصة لدى شريف مكة، ولكن على مسؤوليته الخاصة.

بدء الرحلة 1894

بدأت رحلته إلى باريس واتجه مرافقه الحاج الجزائري إلى مصر وتم الاتفاق بينهما على أن يلتقيا في السويس في مصر لمرافقة قافلة المحمل المصري الذي ترسله مصر كل سنة في احتفال كبير إلى الأماكن المقدسة. ولكن تعرض «جيل» إلى ظروف خاصة في «باريس» فلم يستطع الالتحاق بالقافلة.

وقام صديقه الحاج بأداء الحج وحده ثم رجع إلى السويس وانتظره هناك. وصل جرفيه السويس وبعد عناء استطاع أن يلتقي بصديقه الحاج وبسبب مرضه لم يستطع الذهاب إلى مكة ولكن سافر به إلى بورصة في تركيا ليقدم له العلاج. ولكن مرض صاحبه اضطره للرجوع إلى بورسعيد ومن ثم إلى يافا في فلسطين فتعرف على كل المهربين وقراصنة البحر الموجودين فيه ثم انتقلا إلى بيروت ومنها عادا إلى بلده الجزائر.

بداية الرحلة الثانية

ركب جرفيه السفينة كلوكوز «Glaucus» التي كانت تقوم برحلة أسبوعية إلى بورسعيد وكانت تتوقف استثناء في جدة وقد لاحظ في فترة سفره الشعور العدائي بين الأتراك والعرب الذي بلغ أوجه آنذاك.

مدينة «جدة»

لسبب ما اقتاد أحد أفراد الشرطة جرفيه إلى المركز الذي عدها بداية سيئة ولكن بدفع البقشيش ومساعدة صاحبه الحاج خرج من هذه الورطة إلا إنهما بقيا تحت المراقبة. وبعد ان هدأ روعهما قاما في اليوم التالي بجولة في المدينة يقول: «المدينة مبنية على ساحل البحر في منبسط رملي منخفض

ولا يوجد فيها أي تل ومرفأها موحش ووضعها محزن والإقامة فيها لا يمكن تحملها ولا يمكن ان تخطر على بال ينقض عليك لفيف من الناموس ليل نهار والماء فاسد». وعن أسواقها يقول «أما الشوارع والأسواق

فمملوءة بالحيوية لأن المدينة مركز تجاري كبير والبيوت محكمة البناء مزينة بأجمل أنواع المشربيات». التقى جرفيه عمدة جدة الحاج علي الذي قام بتعليمه الأحكام وأرشده بالطرق المناسبة التي يجب ان يتبعها وبعد انقضاء عدة أيام في جدة قرر السفر إلى مكة المكرمة.

الرحلة إلى مكة

يقول جرفيه: «لم يكن أمامنا سوى وسيلتين للنقل ويجب ان نختار احداهما لقطع مسافة 87 كلم التي تفصل مكة عن جدة: الجمال أو الحمير، وكنت أرغب في امتطاء الجمل الذي أحب خطواته» .ولكنه اختار الحمير بسبب دربتها على الطرق فانطلقا بعد أن لبسا لباس الإحرام وكان الطريق مخيفاً بسبب كثرة قطاع الطرق وبعد توقف عدة مرات وصل إلى الأرض المقدسة مكة المكرمة.

يقول جرفيه: «دخلنا حدود الأرض المقدسة فجراً ويوجد عمودان من الاسمنت إشارة إلى حدود الحرم يشبهان باب مزرعة». ثم قال: «ثم دخلنا فناء الحرم الشريف بعد ترحيب مطوفنا عبدالرحمن بوشناق بقدومنا وها هي ذي الكعبة المشرفة تقف شامخة أمامنا بإجلال محاطة بستارها الأسود المزخرف خلافا لما هو شائع فليست هي قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، انها بيت الله بالنسبة إلى جميع المسلمين».

وبعد أداء العمرة وتقبيل الحجر الأسود انتاب هذا الرحالة المسلم شعور غريب يقول عنه: «بقيت مع تأملاتي أفكر في أقاربي في فرنسا وفي هذه الرحلة التي لا تصدق، وفي هذه المدينة الغامضة حيث أجد نفسي فيها كما لو كنت أعيش معجزة».

أقام جرفيه في مكة وأصبح يجول فيها ويدرس معالمها وبدأ يتعرف على الناس ويكون صداقات مع أهلها. ومن فوق جبل أبي قبيس بدأ يلتقط الصور، يقول: «أعترف أنني لم أستمر طويلا في هذا التأمل إذ انتقلت بسرعة إلى العمل وأخذت آلة التصوير لالتقاط صور بانورامية فألتقط المشهد الأول فالثاني، فالثالث فالرابع فالخامس على التوالي..

التقطت هذه المشاهد كلها وأنا واقع تحت تأثير خاص، كما لو أني فرغت لتوي من إنجاز شيء خارق». وقد كان التقاط هذه الصور خطيراً جداً ليس لوعورة تسلق الجبل فقط، بل لأن هناك حراسا يحرسون هذا المكان لا يسمحون لمثل هذه الأعمال.

وظل جرفيه يجول في مكة ويتعرف على كل شيء فيها ويقول: «يوجد قصر الباشا التركي الرئيس السياسي للمدينة ومنطقة الحجاز في إحدى الأزقة المعزولة في الحرم بجوار الصفا، وبالقرب من هذا المكان توجد المطبعة الوطنية لمكة المكرمة، حيث يتم طبع الكتب الدينية ولكنها كانت متوقفة.

ومع ذلك خالجني إحساس بأنني أقف أمام أحد مصادر قوة المستقبل إلى متى سيبقى المسلمون وهم كثر خاضعين لقوة الغرب وهذه السلالات الضاربة في القدم آن أن تستفيق من غفلتها الأزلية، يجب أن يتم ذلك بهدوء إذ لو حدثت هذه الصحوة بشكل مفاجئ وعنيف فإنها ستكون وبالاً علينا».

لقاء مفتي المالكية في مكة

كان الشيخ عابد بن حسين المالكي صريحا يجابه ولاة الأمور بما يراه منكراً ولا يخاف لومة لائم لذا نقم عليه شريف مكة ونفاه إلى اليمن ثم استقر في إمارة دبي مدة طويلة ثم عاد بعد ذلك إلى وطنه مكة حتى توفي سنة 1923م. وكان من حظ الرحالة جرفيه أن يلتقي هذا العالم ويحظى بصحبته والدعاء له حتى أنه كان كتب له رسالة كما سيأتي لاحقاً.

قصور شريف مكة

يقول جرفيه: للشريف ثلاثة قصور واحد منها هُدم حديثاً بفعل الحريق، والثاني وهو الأقدم والأجمل يوجد في الشارع الرئيسي على بعد خمسمائة متر من الحرم هندسته المعمارية جميلة جداً، أما القصر الثالث فهو منزل في البادية لقضاء الإجازات ويقع في طريق منى.

سوق مكة

سكان مكة المكرمة خليط من كل أجناس المسلمين، وذلك بسبب موسم الحج الذي يجمع المسلمين كافة وكان كثير منهم يحب أن يبقى في البلد الحرام فيتزوج وينشأ حياة جديدة فيها، وكذلك هناك كثير من التجار الذين يأتون إلى مكة للحج وللتجارة وكثير منهم يبقى بعد الحج ولهذا كانت سوق مكة تجمع كل أنواع البضائع،

يقول جرفيه: «لاحظت خلال تجوالي في مكة المكرمة وباهتمام كبير وجود عدة ماركات من البضائع المستوردة من أوروبا كالأقمشة والمواد الغذائية والخردوات، وأجد البضائع الإنجليزية والهولندية في كل مكان تقريباً، وهناك بعض الماركات الألمانية والإيطالية وأخيراً وبشكل نادر بعض الماركات الفرنسية. إن سوق مكة ذو أهمية كبيرة فهو أحد أكبر معارض العالم التجارية في موسم الحج السنوي».

الرحيل من مكة

بعد أن تجول جرفيه في مكة وزار كل معالمها وآثارها والتقط صوراً كثيرة عزم على الرحيل يقول: «لقد أزف وقت الرحيل، فقمنا بآخر زيارة للشيخ محمد عابد، وطلبت منه أن يحرر لي رسالة لأقدمها إلى زميله مفتي المالكية في الجزائر. وقد ظننت أنه من المفيد طلب هذه الشهادة التي تدل على صدق تعبدي في الأماكن المقدسة.

ودون أن ألح عليه أخذ ورقة جميلة وكتب فيها: قد ورد إلينا عبدالله بن البشير فأمعنا النظر في حاله فوجدناه مؤمنا حقا راغباً غاية الرغبة في الإسلام فهو ممن يلزم الاعتناء بشأنه من عرض أحكام الإسلام عليه.. إلى آخر ما كتب»

يقول جرفيه: ودعنا أصحابنا ثم غادرنا وها نحن أولاء نركض على الطريق ليلاً، انتابتني أفكار سوداء ولكن بسبب نشاط حميرنا التحقنا بمسافرين آخرين كانوا قد خرجوا قبلنا وهم أصدقاء الحاج الجزائري صديقي».

العودة إلى جدة

يقول جرفيه: مع بداية النهار بدأنا نشاهد جدة فصلينا الفجر متأخرين بعد طلوع الشمس. ودخلنا باب مكة المكرمة عبر سور مدينة جدة» ذهب إلى القنصلية الفرنسية والتقى القنصل وأرسل برقية لأمه يطمئنها عليه.

وبدأ في جولات جديدة، في جدة تعرف عليها أكثر والتقط مجموعة من الصور لها، ثم غادرها وأصدقاؤه خفية في الصباح الباكر على سفينة نمساوية وهو في السفينة بدأ يستعيد ذكريات الحرم الشريف يقول: «تعود بي الذاكرة إلى صلوات المساء الجميلة في الحرم المكي الشريف في أروع الأوقات بعد غروب الشمس فتحضرني صورة الأفق الوردي والحجاج وهم يطوفون بإيمان حول الكعبة الشريفة».

وصل جرفيه «ينبع البحر» وتجول فيها ثم بعد يومين رست السفينة في السويس فودع القبطان والتقى هناك بابن شريف مكة الذي أعجب به كثيرا وعلمه فن التصوير على الآلة التي اشتراها حديثاً من «اسطنبول»

وبقي مع ابن شريف مكة يومين يقدم له شروحاً على كل ما يشاهده في كاتلوج عن الصناعات الغربية. وبعد ذلك ركب السفينة «ملبورن» واتجه نحو «مارسيليا» ثم استقل القطار متجهاً إلى باريس وهو لا يزال يحلم بالسماء الزرقاء في الجزيرة العربية.

وفاة جرفيه

بعد رحلات كثيرة، في البلاد العربية والأوروبية والآسيوية ونشر كثير من المجلدات التي تحوي الكثير من صور المدن التي زارها تزيد على 2500 صورة وألقى كثيرا من المحاضرات في فرنسا والولايات المتحدة وكتب عدة مقالات وشرع في كتاب عن الإسلام ولكن المرض لم يمهله لإكماله فبقي مريضاً خمسة عشر شهراً إلى أن توفي في سنة 1931م رحمه الله تعالى.